تعكس مبادرة «المشاركة المجتمعية في تصفير البيروقراطية» التي أطلقتها وزارة الموارد البشرية والتوطين توجُّه حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة لإعادة تعريف مفهوم تطوير الخدمات العامة، ليصبح عملية تشاركية يكون الإنسان محورها وغايتها. فلم يعُد تحسين الأداء المؤسسي شأناً إدارياً مغلقاً على الجهات الحكومية، بل أصبح مسؤولية جماعية تقوم على شراكة واعية مع المجتمع بمختلف فئاته، بما يعكس تحوّلاً سياسياً وإدارياً نحو حوكمة أكثر انفتاحاً واستجابة لاحتياجات المتعاملين.
والحاصل أن فتح المجال أمام المشاركة المجتمعية في تقييم الإجراءات الحكومية، يُشكّل نقلة نوعية في آليات صنع القرار العام، ويجسّد إيماناً راسخاً بأن تجربة المتعامل الفعلية هي المؤشر الأكثر دقة لقياس كفاءة السياسات العامة وفاعلية الخدمات. فصوت المجتمع لم يعُد مكمّلاً للقرار، بل أصبح عنصراً أساسياً في صياغته وتوجيهه، بما يعزّز الشفافية ويرسّخ الثقة المتبادلة بين الحكومة والمجتمع.
وقد بدأت رحلة تصفير البيروقراطية الحكومية في دولة الإمارات العربية المتحدة في نوفمبر 2023، مع إطلاق البرنامج الوطني لتصفير البيروقراطية الحكومية، بوصفه مرحلة جديدة في مسار التحديث الحكومي. ويهدف البرنامج إلى إلغاء ما لا يقل عن 2000 إجراء حكومي غير ضروري، وتقليص زمن إنجاز المعاملات بنسبة لا تقل عن 50%، إلى جانب إزالة الاشتراطات التي لا تضيف قيمة حقيقيةً لمسار الخدمة. ولا تعكس هذه المستهدفات مجرد أرقام إجرائية، بل تمثل رؤية سياسية واضحة تقوم على تعزيز الكفاءة، وترسيخ ثقافة الجودة، ورفع مستوى المرونة في الجهاز الحكومي.
 وفي يونيو 2025، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، المرحلة الثانية من البرنامج، مؤكداً أهميةَ الاستثمار في تبسيط الإجراءات وتعزيز تجربة المتعاملين بوصفها ركيزةً أساسية للتنمية الشاملة. ويأتي هذا البرنامج، الذي أُطلق بتوجيهات سموه خلال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات 2023، كمحرّك رئيسي لجهود الحكومة في تحقيق رؤى القيادة الرامية إلى تسهيل حياة المجتمع، وبناء بيئة أعمال جاذبة ومحفّزة، ودعم المبادرات الوطنية المتوائمة مع رؤية «نحن الإمارات 2031».
وترتكز مبادرة المشاركة المجتمعية على نموذج مبتكر يمنح أفراد المجتمع دوراً مباشراً في قياس مدى نجاح الجهات الحكومية في تقليص البيروقراطية وتيسير رحلة المتعاملين. وقد حرصت الوزارة على ضمان شمولية التمثيل المجتمعي عبر استهداف 6 فئات رئيسة تشمل الأفراد، والشركات، ورواد الأعمال، والمتقاعدين، وكبار المواطنين، وأصحاب الهمم، بما يضمن تنوع الرؤى وثراء المقترحات، ويعكس اختلاف الاحتياجات والتجارب العملية لكل فئة. وقد وفّرت وزارة الموارد البشرية والتوطين استبياناً إلكترونياً شاملًا لاستطلاع آراء المشاركين وملاحظاتهم استناداً إلى تجاربهم الواقعية مع الخدمات الحكومية. ويُعد هذا الاستبيان أداةً استراتيجية لجمع البيانات وتحليلها، تمهيداً لتوظيف نتائجها في صياغة حلول عملية تسهم في تبسيط الإجراءات وتحسين كفاءتها، بما ينعكس مباشرةً على مستوى رضا المتعاملين وجودة الخدمات المقدمة.
ومع انطلاق المرحلة الثانية من برنامج تصفير البيروقراطية في العام 2025، تمضي الوزارة بخطى متسارعة نحو تعزيز تكامل البيانات الحكومية، وإلغاء الإجراءات والاشتراطات المكررة، والتوسع في تقديم الخدمات الاستباقية.

وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية استراتيجية أشمل تهدف إلى ترسيخ مرونة بيئة العمل، ودعم تنافسية سوق العمل الوطني، وتعزيز مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عالمياً في الكفاءة الحكومية والحوكمة المرنة، حيث تتحول البيروقراطية من عبء إداري إلى فرصة حقيقية للتطوير والابتكار وصناعة المستقبل.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة تسعى، عبر برامج التطوير النوعية وتقليص مساحة البيروقراطية في كافة مرافقها الحكومية، لتأكيد الريادة في هذا المجال، بشكل يرسخ موقعها المتفوق عالمياً في عملية تطوير الأداء الحكومي، وعلى نحو يسهِّل حياةَ الإنسان ويعزز رفاهيتَه، ويفتح آفاقاً رحبةً أمام توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخدمة مستهدفات النمو، ويضمن استدامة الرضا المجتمعي عن أداء الهيئات والمؤسسات العامة.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.