وضحنا في المقال السابق مدى أهمية التوطين بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، كما تطرقنا لجهود الحكومة في هذا المجال، والتي تم تتويجها بإطلاق برنامج «نافس» من خلال تأسيس مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية في عام 2021. وقد استطاعت قيادة دولة الإمارات سبر أغوار أحد أكبر التحديات التي تواجه غالبية الدول، ألا وهو تأسيس وإدامة المثلث الاستراتيجي الذي يضم في قمته الحكومة وفي قاعدته مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل، وبالتالي تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل.
وكما نعلم، تقوم الدول بسن التشريعات والقوانين التي تنظم الاقتصاد والتعليم العالي، ولكنها تجد صعوبة بالغة في خلق الرابط بين تلك التشريعات والقوانين وبين احتياجات سوق العمل. والحل لتلك المعضلة، كما سبق أن أوردتُ في العديد من المقالات السابقة، هو خلق البيئة المناسبة للحوار بين مؤسسات التعليم العالي وأصحاب الأعمال تحت رعاية ورقابة وإشراف الحكومة. وهذا ما نجحت فيه مؤخراً حكومة دولة الإمارات من خلال مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية الذي يقوم بتمهيد الطريق نحو ضمان ملاءمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل، إضافةً إلى تهيئة فرص العمل المناسبة للخريجين. ويتضح ذلك من خلال «برنامج تطوير كوادر القطاع الطبي والصحي».ولو وضعنا أمامنا «المثلث» الاستراتيجي، فإن مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية الذي اتخذ من احتياجات القطاع الطبي والصحي في سوق العمل النموذجَ الأبرز لإرساء قاعدة المثلث وربط التعليم العالي بأصحاب العمل في ذلك القطاع. فالمجلس على مدار العام يستقبل ويحفظ ويحلل كافة المعلومات والبيانات الخاصة بالبرامج الجامعية الطبية والصحية، إضافةً إلى رصد وتحليل اتجاهات سوق العمل في تلك المجالات. ثم يقوم المجلسُ بالتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي لضمان مواءمة مخرجاتها مع احتياجات سوق العمل الطبي والصحي كماً وكيفاً. وخلال ذلك كله يحدد المجلس أبرز التحديات التي تواجه عملية المواءمة، إضافة إلى وضع التوجهات المستقبلية لسوق العمل. ثم تأتي الخطوة الأهم والأبرز، ألا وهي خلق بيئة الحوار بين مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل لتكتمل أضلاع المثلث.
ويتم تنظيم بيئة الحوار الاستراتيجي تلك سنوياً من خلال ملتقى «نافس» حيث تلتقي الجهات المرسلة، الجامعات والكليات، بالجهات المستقبلة وهي أصحاب الأعمال التي تقوم بتوظيف خريجي الجامعات والكليات في المجالات الطبية والصحية. وهذا ذروة النجاح الحكومي في خلق العلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، وهو، بلا ريب، ما تعجز عنه العديد من الدول.
والتميز هنا ليس في النظم والتشريعات فحسب، بل في إتاحة الفرصة لمؤسسات التعليم العالي لتلتقي مباشرةً مع الجهات المستفيدة من مخرجاتها. وهذا الأمر يساعد من ناحيةٍ الجامعات على تطوير برامجها الأكاديمية لتتناسب مع تطورات واحتياجات سوق العمل، ومن ناحية أخرى يجعل أصحاب العمل يستوعبون التحديات التي تواجه الجامعات في تصميم وتطوير تخصصاتها.
ذلك هو مثلث التميز الذي نجحت حكومة الإمارات في إيجاده، والأمل معقود على تعميم تجربة القطاع الصحي والطبي على بقية قطاعات سوق العمل لكي تنتشر الفائدة وتشمل كافة المواطنين في مختلف الوظائف، ولكي نضمن أيضاً نجاحَ ربط كافة مخرجات التعليم العالي باحتياجات سوق العمل عامة.
*باحث إماراتي


