لم يعد الصراع بين الدول يُدار فقط عبر الأدوات التقليدية للدبلوماسية أو مظاهر القوة الصلبة، بل انتقل بدرجة متزايدة إلى فضاءات الإعلام والرأي العام.

وفي هذا السياق، برز مفهوم «دبلوماسية الإعلام» بوصفه أحد أهم أدوات القوة الناعمة، حيث تُدار المعارك الرمزية حول الصورة والسمعة والشرعية السياسية، وأصبح الإعلام ساحة مركزية للتأثير في العلاقات الدولية. وتُدرك دولة الإمارات العربية المتحدة أن النجاح التنموي والاستقرار السياسي اللذين حققتهما يجعلانها عرضةً لحملات إعلامية ممنهجة، تتجاوز حدود النقد المشروع إلى محاولات التشويه المتعمّد.

فالدول التي تنجح في ترسيخ نموذج وطني مستقر تصبح تلقائياً هدفاً لأجندات سياسية وأيديولوجية متضررة من هذا النجاح، وفي مقدمتها جماعات وتنظيمات مؤدلجة، من بينها جماعة «الإخوان المسلمين» التي ترى في الدولة الوطنية المستقرة تهديداً مباشراً لمشروعها القائم على تسييس المجتمعات، وتشويه صورة الدول. وتتسم الحملات الإعلامية التي تستهدف الإمارات بأنها غير عفوية، وتعتمد في جوهرها على التضليل والانتقائية، من خلال تضخيم قضايا هامشية، وعزل الوقائع عن سياقها الكامل، وتقديمها بصورة مجتزأة. وغالباً ما تُدار هذه الحملات عبر منصات رقمية وحسابات موجهة مجهولة المصدر، هدفها تشويش الصورة وبث الشكوك، لا تقديم معلومات دقيقة، أو ممارسة نقد مهني مسؤول.

 

وفي مواجهة هذا النمط من الاستهداف، تتبنى الإمارات نهجاً مختلفاً في دبلوماسية الإعلام، يقوم على إدارة الرواية لا الصدام معها. فالدولة لا تعتمد إعلامَ ردّ الفعل، ولا تنخرط في سجالات انفعالية أو حملات تصعيدية، بل تلتزم خطاباً متزناً يقوم على تقديم المعلومة الموثقة، وإتاحة البيانات الرسمية بسرعة واحترافية، ومخاطبة الرأي العام الإقليمي والدولي بلغات متعددة، بما يكسر احتكارَ السردية الأحادية، ويعزز من حضور الرواية الإماراتية في الفضاء الإعلامي العالمي.

كما تستثمر الإمارات بشكل منهجي في الإعلام الدولي، ومراكز الأبحاث، والدبلوماسية الرقمية، إدراكاً منها بأن كسب الرأي العام العالمي بات مرهوناً بقدرة الدولة على مخاطبة المجتمعات الدولية بلغة عقلانية تحترم وعي المتلقي.

وفي هذا الإطار، فعّلت مؤسساتُها وسفاراتُها حضورَها على المنصات الرقمية، باعتبارها ساحاتٍ دبلوماسيةً مفتوحةً تتيح التواصلَ المباشر مع الشعوب دون وسطاء تقليديين. ويُلاحظ في التجربة الإماراتية أن التعامل مع الحملات المشوِّهة لا يُدار بمنطق الدفاع المؤقت، بل بمنطق التأثير طويل الأمد. فالإمارات لا تضفي شرعية على المنصات الهامشية، ولا تلجأ إلى التزييف أو الإنكار أو التخوين أو التصعيد، بل تعتمد الشفافية، والاعتراف بالحقائق، وتقديم الإنجاز بلغة موضوعية، وهو ما يميز دبلوماسية الإعلام عن الدعاية التقليدية.

وينسجم هذا الخطاب الإعلامي مع السياسة الخارجية الإماراتية المتزنة، القائمة على دعم الاستقرار الإقليمي، ونشر قيم التسامح، وتعزيز العمل الإنساني الدولي، ليعكس صورة الدولة بوصفها شريكاً موثوقاً وفاعلاً ومسؤولاً في محيطيها الإقليمي والدولي. وفي المحصلة، توضح تجربة الإمارات في مجال دبلوماسية الإعلام أن الحملات المشوِّهة ظاهرة ملازمة لنجاح الدول، خاصة في لحظات التحول الاستراتيجي، غير أن إدارة هذا الاستهداف لا تكون بالتصعيد أو الانجرار إلى معارك إعلامية مفتوحة، بل بامتلاك رواية متماسكة، وخطاب عقلاني، وحضور دولي واثق.

وهكذا، تحولت دبلوماسية الإعلام الإماراتية من أداة دفاعية إلى منصة تأثير إيجابي عالمي تسهم في تشكيل الرأي العام، وتعزيز مكانة الدولة، في عالم باتت فيه الصورة قوة لا تقل أهمية عن السياسة، وكما يقول المثل الصيني: «الصورة تساوي ألف كلمة».

وفي  ما يتعلق بحملات التشويه التي تقودها جماعة «الإخوان المسلمين» في المنطقة، يمكن القول إنها خسرت رهانها أمام تماسك الدولة الوطنية وقدرتها على إدارة صورتها بهدوء واتزان. وفي هذا السياق، يُستشهد بما نشره معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، عبر منصة «إكس»، حيث قال: «في هذه المرحلة الحرجة، التي مررنا بمثلها من قبل وسنواجهها مستقبلاً، لا بدّ من تغليب الحوار وابتكار المخارج السياسية، وحفظ الصداقات والتحالفات وتعزيزها، وعدم قطع حبال التواصل والمودّة». وأضاف معاليه: «قدرتنا المشتركة على إيجاد حلول هادئة ومتّزنة هي الأساس لرؤية إقليمية قوامها الاستقرار والازدهار».

*سفير سابق