خلال السنوات الأولى من حرب الاستقلال الأميركية، انضم جيهو غرانت من رود آيلاند إلى الجيش القاري ليقاتل من أجل استقلال البلاد. ومن أجل استقلاله هو أيضاً، فقد هرب من العبودية على يد أحد الموالين للتاج البريطاني، أملاً في أن يُتيح له الانتصار الأميركي وتضحيته الشخصية أن يحصل على حريته. وسافر سراً لمسافة 160 كيلومتراً تقريباً إلى معسكر حيث شملت خدمته العسكرية العمل كسائق عربة ومساعد لقائدها.

وبعد عشرة أشهر، ظهر الموالي البريطاني في مستودع إمدادات الوحدة، وادعى ملكية جيهو وطالب بإعادته. امتثل الجيش القاري، الذي كان يخوض الحرب من أجل قيم الحياة والحرية والسعي وراء السعادة، وأعاد أحد أبنائه إلى الأسر. كان ذلك بلا شك إخفاقاً أخلاقياً، لكن حصره في هذا الإطار وحده يُختزل الأمر إلى مسألة نفاق أو قيادة عديمة المبادئ أو انتهازية. بل كان فشلاً للمؤسسات التي أعطت الأولوية لمصالح الأمة على قيمها. ومن هذا المنظور، لم يكن حب جيهو لبلاده موضع شك، بل كان غير ذي صلة وغير كافٍ، ليس لأنه أساء فهم قيمه، بل لأنه بالغ في تقدير استعداد مؤسسات الدولة لاحترام تلك القيم.

وقد يبدو هذا الشعور مألوفاً للأميركيين اليوم، مع حلول فجر الذكرى الـ250 لتأسيس الأمة. فاستخدام الرئيس دونالد ترامب للأوامر التنفيذية، حيث أصدر العام الماضي ما يفوق ما أصدره في ولايته الأولى بأكملها، قد تجاوز مبدأ الضوابط والتوازنات المنصوص عليه في الدستور، وهو ما يتعارض مع الإرادة العامة والمشاعر المدنية. وفي قضاياها الأخيرة، تعيد المحكمة العليا النظر في مسائل محسومة في الغالب تتعلق بالإجهاض، وحقوق التصويت، وقوانين الأسلحة، وحتى حق المواطنة بالولادة. ويتجه الكونجرس نحو عام غير مثمر تاريخياً، مسجلاً أدنى إنتاج تشريعي له في التاريخ الحديث.

وبلغ الخلل الوظيفي حداً خطيراً، حتى أن 44 عضواً، أي ما يقارب عُشر أعضائه، قرروا عدم الترشح مجدداً حتى الآن. وتشير عمليات الترحيل التعسفية الحالية في البلاد، والسياسات الاقتصادية التي تُراكم الثروة في أيدي قلة، وضعف أداء أنظمة التعليم والرعاية الصحية والعدالة الجنائية، إلى مؤسسات خاضعة لا تُبالي بمعاناة المواطنين. ولا يخفف تآكل المعايير ورغبة المؤسسات الحكومية في الاستقلال عن الشعب من وطأة الوطنية، بل هما في الغالب غير مُباليين. ولا يُعد نوع الوطنية التي يتبناها الفرد أمراً مهماً، فإصرار ترامب على «الوطنية غير الانتقادية» ليس دعوة للشعب أن يُحب الوطن حباً مطلقاً ، بل وسيلة للتحرير من الرقابة والقيود. 

أما «الوطنية الأخلاقية»، فتنتقد الأمة على مواطن قصورها ومواطن ضعفها، ولكن من منطلق الاحترام والمودة لها ولشعبها، وهو شكل الوطنية الذي مارسه أبراهام لينكولن والقس مارتن لوثر كينغ جونيور، وغيرهم. وهناك «الوطنية المدنية أو الدستورية»، التي تقوم على الولاء للمبادئ والقوانين والمؤسسات، مؤكدة على القيم المشتركة كأساس للانتماء الوطني، وهي النسخة التي دفعت «جيهو غرانت» للقتال من أجل أمة أقرت استعباده. وبعد فترة وجيزة من تخلي الجيش عنه، أُعيد «جيهو غرانت» إلى العبودية، ثم أُعيد بيعه وأُجبر على العمل بالسخرة، ونال حريته أخيراً بعد عقود. وبعد 50 عاماً من انتهاء حرب الاستقلال الأميركية، كان معظم قدامى المحاربين، الذين تقاضوا أجوراً زهيدة أثناء خدمتهم، مسنين يعيشون في فقر مدقع.

وأصبحت رعاية هؤلاء المحاربين قضية نقاش عام وواجب أخلاقي، وفي عام 1832، صدر قانون المعاشات التقاعدية لمنح رواتب كاملة أو جزئية لمن خدموا لأكثر من ستة أشهر. وتقدم «جيهو»، الذي أصبح كفيفاً مفلساً، في الثمانين عاماً، بطلب إلى وزارة الحرب، وهو الاسم السابق لوزارة الدفاع في ذلك الوقت، للحصول على معاشه التقاعدي، لكن طلبه رُفض وأُبلغ بأن «الخدمة أثناء الفرار من خدمة سيدك» لا تُؤهله لذلك. وفي مناشدة حزينة لم تُجب عليها الحكومة، اعتذر عن هروبه من العبودية سعياً وراء الاستقلال الوطني والمواطنة المتساوية، لكنه أوضح أن خدمته للوطن كانت مخلصة، إلا أن المؤسسات المُسيئة لم تكن مخلصة ولا متسامحة، مهما بلغ حبه لأميركا.

وتُذكرنا حياة «جيهو» بأن أعمق تعبيرات الوطنية لم تنبع من رموز الجيل المؤسس أو المؤسسات التي صمموها والتي استمرت، بل من أولئك الذين تضرروا بشدة من قصورها، مثل دعاة إلغاء العبودية، والمطالبات بحق المرأة في التصويت، ونشطاء الحقوق المدنية، والمحاربون القدامى الذين عادوا إلى ديارهم ليجدوا معاملة غير عادلة، والمهاجرون الباحثون عن الفرص.

ولقد أدرك جميعهم أن حب الوطن يتطلب مواجهته ومواجهة المؤسسات التي تحكمه.مؤسساتنا ليست قادرة على تصحيح نفسها بنفسها - فهي لا تعمل بطبيعتها على سد الفجوة بين قيم الأمة المعلنة وأفعالها، بل يجب إجبارها على التغيير، وتحويلها على أيدي شعب وطني يُحب بلاده بما يكفي لجعله يعمل بعد ربع ألفية من تأسيسه.

*كاتب أميركي متخصص في قضايا الديمقراطية والهوية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج لايسنج آند سينديكشن»