تشير حركة العقول في العالم إلى وجْهات المنافسة على البحث العلمي والتكنولوجيا والكفاءة، وسعي القوى الجاذبة للمواهب إلى الابتكار والوصول إلى تقنيات متقدمة للحفاظ على مكانتها العالمية، في ظل عالم يتغير بسرعة ودون قواعد حاسمة، أو سباقٍ معروفةٍ نهايته. فقوة العقول أحد مكونات القوة الشاملة، وبإمكانها إمداد المجتمعات بالقدرة على التحول على المستوى الداخلي أو الدولي.وقد بات مشهد الهجرة الدولية لذوي المهارات العالية ساحة من ساحات التنافس الاقتصادي والاستراتيجي الدولي، على الرغم من انتهاج بعض الدول سياسات انعزالية تُشدد فيها على فرص الدخول إليها. لكن الظن، في عصرنا اليوم، بأن العقول الوطنية كافية، ولا حاجة إلى مواهب من الخارج هو اعتقاد يُخرج الاكتشافات الإنسانية المذهلة على مدى ردح من الزمن، كما يخرج الأجانب من حساباته، ولذا نجد اليوم سياسات ترحّب باستقطاب المواهب، وتوفير سبل الإبداع لهذه العقول، مقابل دول تظن أنها باتت قادرة بمفردها دون غيرها، وقد تكشف لها السنوات القادمة عكس ما ذهبت إليه.
وبالنظر إلى كيف تحركت العقول في 2025، سنجد سنغافورة في المقدمة، تليها سويسرا، بعد منافسة قوية على تنمية الإنسان القابل للتكيُّف والماهر رقمياً، والجاهزية للابتكار في عصر الذكاء الاصطناعي، وفق مؤشر التنافسية العالمية للمواهب، الصادر عن كلية إنسياد لإدارة الأعمال (INSEAD)، المتعلق بأسواق العمل وتنظيم بيئات العمل وحركة المواهب. ولا تبعد الاقتصادات الأوروبية (إيرلندا والمملكة المتحدة والدنمارك وآيسلندا وفنلندا والسويد وبلجيكا وهولندا والنمسا والنرويج وألمانيا) عن المقدمة، لكن الولايات المتحدة تتراجع إلى المركز التاسع بعد الثالث في مؤشر العام الماضي.
إن حركة العقول تفتح الباب أمام تحولات في أسواق العمل العالمية، مع التنافس على استقطاب المواهب، ولاسيما مع تعدُّد مناحي الإبداع، وبيئات الجذب المتعددة والمستدامة، إذ لم تَعُد المنافسة حكراً على القوى الكبرى أو مناطق محددة في العالم. فالشرق الأوسط ينافس على الكفاءات العالمية، ببنية تحتية متطورة، وجودة الحياة، والفرص الوظيفية، والتعليم المتقدم، وللسياسات الضريبية والإنفاق الاجتماعي وتكلفة الحياة نصيب من عوامل جذب العقول. وفي ظل حالة صعود موجة تقييد دخول المهاجرين في دول غربية، فإن الوجهات البديلة جاهزة لتوظيف العقول والاستثمار فيها.
وقد تؤخِّر سياسات الضغط على المهاجرين، خاصة المواهب النادرة، دولاً عن التقدم في التكنولوجيا أو البحث العلمي، ولاسيما إذا لم تمتلك منظومة قوية ومتكاملة من المؤسسات البحثية والتكنولوجية. واليوم، بات وقود الذكاء الاصطناعي يتمثل في الكفاءات كغيره مما يعتمد في حياتنا على العقول، وتخاطر الدول بمستقبلها إذا لم تطور تعليمها، ليس لنقل المعرفة فقط، بل كمسار متكامل لصناعة الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي، وطرح الأسئلة، والربط بين العلم والواقع، أي تحويل مؤسسات التعليم إلى مصانع بناء العقل والشخصية بما يلائم متطلبات العصر والتقدم العلمي.
إن المرونة في استقطاب المواهب لا ترتكز فقط على السباق بين الدول، وإنما كيف تفكر الدول في توظيف العقول والتقنيات للتقدم البشري المستدام والشامل، عبر قوى العمل من ذوي المهارات العالية القادرة على التفكير الابتكاري، وكذا الاحتفاظ بالمواهب في بيئة تساعد على ذلك. ولا يعني هذا ارتفاع الدخل فقط، بل إن أساسه التوجه الاستراتيجي للسياسات والاستثمار في المورد البشري بفاعلية. ويمكن القول إن الاستقرار والاستثمار يدفعان النمو الاقتصادي، ويوفران فرص عمل. ويسهم نظام التعليم في رفع كفاءة ذوي المهارات العالية، كما أن جودة الحياة تجذب المواهب، وكل هذه العوامل تجعل الدولة جاذبة للعقول من شتى أنحاء العالم. 

*باحثة رئيسية / مدير إدارة البحوث / مساعد لرئيس قطاع الشؤون البحثية- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.