مع دخول عام جديد تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي وتتزايد فيه الاعتمادات على التقنيات الذكية في مختلف مناحي الحياة، يبرز الأمن السيبراني كأحد أبرز التحديات التي تواجه الأفراد والمؤسسات والمجتمعات على حد سواء، فالفضاء السيبراني لم يَعُدْ مجرد بيئة افتراضية للتواصل والعمل، بل أصبح امتداداً مباشراً لحياتنا اليومية، بما يحمله ذلك من فرص واسعة ومخاطر متنامية. وفي ظل تطور أساليب الجرائم السيبرانية وتعقّد أدواتها، يغدو الالتزام بالممارسات الرقمية الآمنة حجر الأساس لبناء وعي رقمي شامل، يبدأ من سلوك الفرد ويترسّخ ليشكّل منظومة حماية جماعية قادرة على مواجهة التهديدات وحماية الثقة في العالم الرقمي.
ومع بداية العام الجديد، تتجدّد الحاجة إلى إعادة النظر في سلوكياتنا الرقمية وتعزيز التزامنا بالممارسات الآمنة في الفضاء السيبراني، لا باعتبارها خياراً إضافياً، بل كضرورة أساسية لحماية الأفراد والمؤسسات في عالم يتسم بتسارع التحول الرقمي، فالتكنولوجيا التي باتت جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، من العمل والتعليم إلى التواصل والترفيه، حملت معها فرصاً غير مسبوقة، لكنها في الوقت ذاته فتحت أبواباً واسعة أمام مخاطر وتهديدات سيبرانية متطورة ومتنامية وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الأمن السيبراني شأناً تقنياً يقتصر على المختصين، بل أصبح مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد وسلوكه الرقمي اليومي. 
وتظهر أهمية هذه المسؤولية المشتركة في الوقت التي تشهد فيه الجرائم السيبرانية تطوراً متسارعاً، مدفوعة باستخدام أدوات هجومية أكثر تعقيداً وذكاءً، تعتمد في كثير من الأحيان على الهندسة الاجتماعية والذكاء الاصطناعي واستغلال الثغرات السلوكية قبل التقنية، وهذا التطور يجعل من الالتزام بالعادات السيبرانية الذكية خط الدفاع الرئيسي في مواجهة التهديدات الرقمية المتزايدة، إذ يساهم في تقليل فرص الاختراق وتخفيف آثار الهجمات المحتملة، كما أن تجاهل هذه العادات قد يترتب عليه خسائر جسيمة، لا تقتصر على فقدان البيانات أو تعطّل الخدمات، بل تمتد إلى أضرار مالية ومعنوية طويلة الأمد، قد تؤثّر على سمعة الأفراد والمؤسسات واستمرارية أعمالهم. 
ولا تقتصر أهمية الممارسات الرقمية الآمنة على البُعد الأمني فقط، بل تمتد لتشمل بُعداً اقتصادياً بالغ الأهمية، فتكاليف الجرائم السيبرانية عالمياً في تصاعد مستمر، وتشير التقديرات إلى أرقام فلكية تُنفق سنوياً على معالجة آثار الهجمات الإلكترونية واستعادة الأنظمة والبيانات. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في الوعي السيبراني وتبنّي العادات الرقمية الآمنة خياراً استراتيجياً يسهم في تقليل هذه الخسائر وتعزيز الاستدامة الرقمية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الاقتصادات الوطنية.
وتتنوّع المخاطر السيبرانية التي تهدد المستخدمين اليوم، لتشمل كشف المعلومات الشخصية الحساسة، وسرقة البيانات، والوصول غير المصرّح به إلى الحسابات البنكية أو البريد الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، وفقدان الملفات المهمة وفي بعض الحالات، تتطور هذه المخاطر إلى ابتزاز رقمي أو استغلال للبيانات المسروقة في أنشطة إجرامية أوسع نطاقاً. وتكمن خطورة هذه التهديدات في أنها تستهدف الجميع دون استثناء، أفراداً وشركات ومؤسسات، مما يوسع دائرة التأثير ويزيد من تعقيد المواجهة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الإجراءات العملية التي يمكن اعتمادها لنشر ثقافة الأمن السيبراني وتعزيز العادات الرقمية الذكية. من أبرز هذه الإجراءات تأمين شبكات الإنترنت واستخدام كلمات مرور قوية وتفعيل بروتوكولات التشفير الحديثة، إلى جانب الحرص على تحديث أنظمة التشغيل والبرمجيات بشكل منتظم لسد الثغرات الأمنية، إضافة إلى ضرورة التحقق من موثوقية المواقع الإلكترونية والتطبيقات قبل استخدامها، ومراجعة أذونات التطبيقات، وحذف الحسابات القديمة غير المستخدمة، كأحد أبرز الخطوات الأساسية للحد من المخاطر.
وتشمل الممارسات الآمنة أيضاً تشفير المراسلات الحساسة، واستخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) عند الاتصال بشبكات الواي فاي العامة، والحرص على إنشاء نُسَخ احتياطية دورية للبيانات المهمة، سواء الشخصية أو المتعلقة بالعمل، مع التأكد من تأمينها بشكل جيد على الخدمات السحابية، ولا يقل عن ذلك أهمية الوعي بمخاطر الرسائل الاحتيالية ومحاولات التصيد الإلكتروني، التي تعتمد في كثير من الأحيان على الخداع واستغلال الثقة لتحقيق أهداف إجرامية.
وفي الختام، يمكن القول إن الالتزام بالممارسات الرقمية الآمنة مع بداية العام الجديد يمثّل حجر الأساس لبناء فضاء سيبراني أكثر أماناً واستقراراً، فالأمن السيبراني لم يَعُدْ مسألة تقنية معقدة، بل هو سلوك يومي وثقافة عامة تبدأ من القرارات البسيطة التي يتخذها الفرد أثناء استخدامه للتقنيات الرقمية. ومع تنامي التهديدات وتسارع التطورات التكنولوجية، تبقى اليقظة المستمرة، والوعي، وتبنّي العادات السيبرانية الذكية، السبيل الأنجع لحماية أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا الرقمي، وضمان مستقبل رقمي آمن ومستدام للجميع.
*رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات.