يشهد نظام التعليم في الولايات المتحدة تراجعاً تاريخياً. فبحسب أحدث «بطاقة تقييم» لطلاب الصف الثاني عشر، فإن الطلاب الذين ينهون المرحلة الثانوية اليوم يمتلكون مهارات أقل ومعرفة أضعف في المواد الأكاديمية الأساسية مقارنة بأقرانهم قبل عقد من الزمن.
وتُظهر خسائر التعلّم التي كشف عنها تقرير «التقييم الوطني للتقدم التعليمي» الصادر في سبتمبر الماضي أن أعداداً هائلة من طلاب السنة الأخيرة في الثانوية لا يصلون حتى إلى أدنى المستويات المقبولة في القراءة أو الرياضيات. ورغم أن اضطرابات جائحة كوفيد لم تساعد، فإن الدراسات تُبيّن الآن أن تراجع التحصيل الدراسي بدأ قبل الجائحة بوقت طويل.

ولا يبدو من قبيل المصادفة أن يتزامن تراجع مستويات القراءة والرياضيات مع تراجع الديمقراطية في البلاد. فنحن نعيش عصر التضليل الإعلامي واستثارة الغضب، ولن يزداد الضرر الذي يلحق بالأميركيين وبقدراتهم على التفكير النقدي إلا مع القوة المتنامية للذكاء الاصطناعي. نحن بحاجة إلى نهضة تعليمية شاملة، تركز بشكل جذري على تطوير حلول رائدة تُعيد تعريف التعليم لمواكبة العصر الرقمي، وترفع من قيمة التفكير النقدي. يمكن لمراهقي اليوم إنتاج فيديو على تيك توك في دقائق، لكن كم منهم سيتعلم تحليل الادعاء الكاذب للرئيس بأن دواء «تايلينول» يسبب التوحد؟

وكم عدد البالغين الأميركيين الذين يفهمون أهمية التحقق من موثوقية منشور انتشر على نطاق واسع؟ وبينما يستطيع أي شخص التعبير عن رأيه على وسائل التواصل الاجتماعي، كم مرة يتعلم الطلاب التفكير في عواقب التعبير عن آرائهم؟ مستقبل الديمقراطية سيعتمد على قدرتنا على التفكير النقدي والاختلاف بأسلوب حضاري. لكن التمييز بين الحقيقة والخيال يتطلب جهداً - ويتطلب مستوى من الفهم القرائي يخسره الأميركيون تدريجياً. منذ أن تحوّل الاقتصاد الأميركي قبل قرن من الزراعة إلى المصانع والمكاتب، كان التعليم هو الوسيلة التي درّبنا بها قوتنا العاملة، ووفّرنا من خلالها الحراك الاجتماعي، وغرسنا قيم المواطنة الصالحة.

استثمر الأميركيون في التعليم العام لإدراكهم أن امتلاك مهارات معرفية قوية يجعلهم عمالاً ومواطنين أفضل، ويعود بالنفع على المجتمع ككل. لكن المشهد الإعلامي المجزأ وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي قد خلّفا استقطاباً وانقساماً. ومع اتساع الفجوة بين الأغنياء وبقية المجتمع، اتسعت فجوات التحصيل الدراسي لدى الطلاب. فبدلاً من تقليص عدم المساواة في الدخل، أصبح التعليم اليوم يعمّقها. ولا يواكب صناع القرار لدينا الوضع الراهن. ويُعد تفكيك إدارة ترامب لوزارة التعليم باعتباره علاجاً لفشل التحصيل الدراسي مثالاً صارخاً على حل غير صحيح لمشكلة متفاقمة. وقد رأينا بالفعل تداعيات تراجع مهارات التفكير النقدي لدى عامة الناس. فالمعلومات المضللة حول اللقاحات التي يتم الترويج لها تعكس إنكاراً للحقائق العلمية، وتُؤثر سلباً على معدلات التطعيم.

وقد كشفت رسالة بحثية نُشرت في يونيو بمجلة «الجمعية الطبية الأميركية» أن معدل التطعيم ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية قد انخفض من 94% عام 2019 إلى 91% عام 2024، وهو انخفاض مُقلق، إذ أن المستوى المطلوب لحماية المجتمع من تفشي الأوبئة هو 95%. لكنّ وجود ناخبين يتمتعون بمهارات قراءة جيدة ليس مهماً فقط للحفاظ على الصحة العامة، بل هو ضروري للديمقراطية، لأنّ هناك من بيننا من يعتقدون أن استغلال تراجع التعليم سيمكنهم من السيطرة على الأمور. إن إخراج المدارس الأميركية من هذا الانحدار لن يكون سهلاً. فالنظام التعليمي الأميركي شديد اللامركزية ومعقد إلى حد بعيد.

والرغبة في إصلاحه موضوع دائم في خطابات المسؤولين المنتخبين. (ووفقاً لرابطة حكام الولايات الوطنية، تحدث تقريباً كل حاكم في خطاب «حال الولاية» لعام 2025 عن «إصلاحات» تهدف إلى سد فجوات التحصيل الدراسي أو تلبية احتياجات سوق العمل). لكننا سمحنا لقادتنا الوطنيين بأن يستهلكوا قدراً كبيراً من الاهتمام في حروب ثقافية يمينية - مثل كيفية ما يُدرّس عن العبودية - بدلاً من القيام بالعمل الشاق لفهم مشكلة ضعف تحصيل الطلاب. ولا يعني التركيز الجذري الجديد إعادة اختراع كل شيء. فالعديد من نماذج التعليم الكلاسيكية ما زالت تعمل بكفاءة. على سبيل المثال، وجدت دراسة عام 2025 أجرتها جامعة فيرجينيا والمعاهد الأميركية للأبحاث أن برامج «مونتيسوري» العامة لمرحلة ما قبل المدرسة تحقق نتائج تعلم أفضل للأطفال من سن 3 إلى 6 سنوات مقارنة بالبرامج التقليدية، خصوصاً في القراءة والذاكرة والفهم الاجتماعي. والمطمئن أن هذه البرامج تكلف المناطق التعليمية أموالاً أقل.

وفي إحدى المناطق التعليمية الصغيرة في ولاية ميتشيجان، أُعيد تصميم برنامج القراءة استناداً إلى العلم والبيانات، فارتفعت كفاءة طلاب الصف الثالث في اللغة الإنجليزية في الاختبارات المعيارية بنسبة 12%. وفي نيوآرك، أنشأت شبكة مدارس «كيب» المستقلة برنامج «التعلم المسائي» خلال أيام الأسبوع لمساعدة الطلاب على تعويض خسائر سنوات كوفيد، وكذلك لدعم أولياء الأمور الذين يعملون في المساء.

التكنولوجيا يمكن أن تساعد أو تضر بالتحصيل الدراسي. فالطلاب اليوم يتمتعون بخيارات أوسع وإمكانية وصول أكبر إلى تعليم عالي الجودة، سواء في الصفوف الحضورية أو عبر الإنترنت. وأصبح التعلم أكثر جذباً للعديد من الطلاب بفضل ابتكارات مثل إدخال تقنيات الألعاب في المناهج. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم مقاربات واعدة عبر العمل كمدرّس شخصي، ومساعدة المعلمين في التصحيح والتخطيط للدروس، ومساعدة العاملين على اكتساب مهارات جديدة، لكن للتكنولوجيا جانباً سلبياً واضحاً: فهي قد تجعلنا أقل ذكاءً، وتعودنا على التفكير بدرجة أقل وبشكل أقل نقدية. وقد اقترح البعض أن تحذو الولايات المتحدة حذو أستراليا وتحظر وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 عاماً.

*كاتبة أميركية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»