في لحظة مفصلية من مسار الحرب اليمنية، اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة قرارها بالانسحاب العسكري بعد أن أنجزت ما كُلِّفت به ضمن التحالف العربي، والتزمت بسقف التفويض وحدوده السياسية والعسكرية. لم يكن الانسحاب تراجعاً ولا هروباً، بل قرار دولة تحترم التزاماتها وتُحسن قراءة المشهد. غير أن ما أعقب هذا الانسحاب كشف حجم الخلل العميق في بنية ما يُسمّى «الشرعية»، وأظهر بوضوح من كان صانع استقرار، ومن كان مجرد متلقٍّ له.
بعد أربعٍ وعشرين ساعة فقط من خروج الإمارات، تحرّكت قوى متناقضة في العلن ومتقاطعة في الخفاء، من تيارات «إخوانية» و«إصلاحية»، إلى جماعات متطرفة، بل وحتى من يتحدث عن اختراقات «حوثية»، لشنّ هجوم على حضرموت. المفارقة الصادمة هي استمرار الخطاب ذاته: اتهام «قوات الجنوب المدعومة من الإمارات»، رغم أن الإمارات كانت قد غادرت الميدان، ورفعت يدها عن العمليات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان الهدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، أليس الأجدر توجيه هذه القوات نحو صنعاء والمناطق التي يحتلها «الحوثي»، بدل الزج بها في حضرموت التي كانت تنعم باستقرار نسبي؟ هنا يبرز السؤال المنطقي: إلى أين يريد هؤلاء الوصول؟ وهل من المعقول تحميل دولة انسحبت رسمياً مسؤولية الفوضى التي أعقبت غيابها؟ إن اتهام الغائب ليس إلا اعترافًا بالعجز، ومحاولة للهروب من مواجهة الحقيقة، وصناعة شماعة تُعلَّق عليها الأخطاء المتراكمة.
دخلت الإمارات اليمن ضمن تحالف عربي واضح، وبناءً على تكليف محدد، وتمركزت في الجنوب، حيث واجهت «الحوثي»، وحرّرت الأرض، وقدّمت شهداءً، ثم لم تكتفِ بالتحرير، بل أسست وبنت وعمّرت، وأنشأت منظومات أمنية ومؤسسية أعادت الاستقرار إلى مناطق كانت غارقة في الفوضى. في المقابل، فشل آخرون في تحرير شبر واحد من نطاق مسؤوليتهم، وبقيت مناطقهم أسيرة التخبط، وتضارب القرار، وازدواجية الولاءات.
الأكثر خطورة أن من يُفترض به قيادة «الشرعية» ظل بعيداً عن الأرض، بينما تعيش قوى متناقضة- «إخوانية» و«حوثية»- في مناطق متجاورة، بلا مواجهة حقيقية. ومع ذلك، تُوجَّه أصابع الاتهام إلى الإمارات، وكأنها المسؤولة عن كل ما يحدث، بل عن كل ما فشل فيه الآخرون؟!ما نعيشه اليوم هو أزمة عقل سياسي يرفض الاعتراف بالفشل، ويفضّل شيطنة الحليف الصادق بدل مراجعة الذات. ثقافة تخوين بدل محاسبة، وإلقاء لوم بدل تحمّل مسؤولية. في هذا المناخ، يُطعن الشجاع من الخلف، ويُتَّهم من أدّى واجبه، بينما يُكافأ المتردد بالصمت.
الإمارات لم تكن يوماً باحثة عن نفوذ أو مجد في اليمن. كانت حليفاً صادقاً، وشريكاً حقيقياً في مواجهة المشروع «الحوثي». وعندما انسحبت، فعلت ذلك بشفافية ومسؤولية. أما من يحمّلها اليوم نتائج فشلٍ لم تصنعه، فهو لا يدافع عن شرعية ولا عن تحالف، بل يهرب من مواجهة الحقيقة.
*لواء ركن طيار متقاعد.


