باتت التقنيات الحديثة والتكنولوجيا الرقمية جزءاً أساسياً من حياة الأطفال، تُشكّل وعيهم وتؤثّر في سلوكهم، وتُعيد صياغة أنماط تفكيرهم، ورغم أن هذه التقنيات فتحت آفاقاً واسعة للعلم والمعرفة، لكنها في الوقت ذاته طرحت تحديات حقيقية أمام الأسرة والمؤسسات التربوية، ولأنه لا يمكن التغافل عن آثارها سلباً وإيجاباً، أصبح من الضروري أن تتحرك الدولة وأجهزتها من أجل وضع الحلول المناسبة وحماية النشء قبل وقوع الخطر.
ومنذ سنوات وهناك تصاعد في القلق العالمي من حجم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال خلال تصفحهم الإنترنت، حتى إن تقريراً نشرته الأمم المتحدة حذّر بوضوح من أن 70% من الأطفال والمراهقين، الذين تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 18 سنة، قد رأوا محتوى غير لائق خلال تصفحهم الإنترنت لحلّ الواجبات المدرسية والحصول على البحوث، فضلاً عن تعرّضهم للتنمّر.
وفقاً للتقرير الأممي المشار إليه، فإن الأمر لم يقتصر على التنمر الإلكتروني والإساءة فقط، بل إن مخاطر الإنترنت تزايدت لتشمل أيضاً حالات من الابتزاز الإلكتروني للفتيات الصغيرات وتهديدهن بتسريب صور مفبركة لهنّ، وهذه القضية وحدها يمكن أن تثير الزوابع في مجتمعاتنا. في هذا السياق أصدرت الإمارات مرسوماً بقانون اتحادي في شأن السلامة الرقمية للطفل، ليُشكّل إطاراً تشريعياً متكاملاً يحمي الأطفال ويشجّع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، في خطوة تعكس حرص القيادة على حماية النشء في مواجهة الأخطار المحتملة للتعاطي مع الأدوات التكنولوجية.
المرسوم استحدث إنشاء «مجلس السلامة الرقمية للطفل» برئاسة وزيرة الأسرة، وإشراف مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، بهدف اقتراح السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بضمان أعلى مستويات الأمان الرقمي للأطفال، إلى جانب دور المجلس التنسيقي بين الجهات الاتحادية والمحلية والقطاع الخاص، وإجراء الدراسات لرصد المخاطر المستجدة في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.
ويهدف التشريع الجديد إلى وقاية الأطفال من المحتوى الرقمي الضار، والممارسات التي قد تؤثّر سلباً على صحتهم الجسدية والنفسية والأخلاقية، وتنمية الوعي لدى القائمين على رعايتهم، بما يعزّز ثقافة الاستخدام الإيجابي والواعي للتقنيات الحديثة. هذه ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها الإمارات لوضع آليات تحمي بها الأبناء، فقد تنبّه المشرع الإماراتي إلى أهمية حماية الأطفال وضمان سلامتهم في العالم الرقمي، فصدر القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل والمعروف بـ «قانون وديمة»، والذي ألزم شركات الاتصال بضرورة الإبلاغ عن أية مواد مخالفة للقيم يتم تداولها عبر المواقع وشبكة المعلومات الإلكترونية.
وفي عام 2019 شكّلت مبادرة «السلامة الرقمية للطفل» التي أطلقتها الإمارات خطوة متقدمة في جهود توعية طلاب المدارس بتحديات العالم الرقمي، وتشجيعهم على استخدام الإنترنت بشكل إيجابي وآمن، وتوعية وتأهيل المعلمين والأهالي بأساليب مواجهة هذه التحديات، بما يحقق السلامة الرقمية لأطفالهم. ريادة الإمارات في هذا الشأن، دفعت المجتمع الدولي إلى انتخابها في يونيو 2017 لقيادة اللجنة الدولية لحماية الأطفال عبر الإنترنت خلال مؤتمر الاتحاد الدولي للاتصالات في جنيف، اعترافاً بجهودها وحرصاً على الاستفادة من خبراتها عالمياً. لقد أدركت القيادة الرشيدة للدولة مبكراً، أن حماية الطفولة ليست مسؤولية أخلاقية فحسب، بل ركيزة أساسية لبناء مجتمع متماسك ومستقبل مستدام، كون الأطفال هم اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات، ومع التطور التقني الهائل الذي يشهده العالم، كانت القرارات التشريعية المتعددة خطوة استباقية كحائط صد منيع، تنسجم مع إعلان الإمارات تخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة».
وفي إطار الحرص على الالتزام بدعم الجهود الوطنية في تعزيز الوعي بالسلامة الرقمية، تجدر الإشارة إلى حرص مؤسسة التنمية الأسرية بتوجيهات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» على طرح العديد من المبادرة المجتمعية، بالتعاون مع شركاء استراتيجيين، بهدف نشر التوعية، بما يساهم في حماية الأطفال والأسر أثناء تصفح مواقع الشبكة العنكبوتية. كما تنظم المؤسسة محاضرات التوعية للأسر مع التركيز بشكل مكثف على مخاطر الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية وأدوات الرقابة الأبوية، وتقدم المؤسسة من خلال كوادرها والمختصين لديها خدمات الإرشاد الأسري، بهدف توفير بيئة مستقرة تساعد الوالدين على أداء دورهما التربوي بعيداً عن الضغوط القاسية.
بيد أن جهود الدولة ومؤسساتها لن تنجح وحدها، إذا لم تقم الأسرة بدورها في حماية النشء ورعايتهم، حيث يبقى الدور الأسري هو الرئيسي في التعامل مع هذه القضية، فلا بديل عن رقابة الوالدين في ضبط المحتوى على الإنترنت، والتصدي بحزم للمواد المضللة ومنعها من الانتشار. فلَذاتُ أكبادنا أمانة في أعناقنا، غايتنا حمايتهم من الأخطار التي تهدد حاضرهم ومستقبلهم.


