الحديث حول المنهج العلمي أو المدرسة السلوكية في علم السياسة طويل ومعقد، وقد تقتنع به جماهير من غير المتخصصين في العلم، وقد تنفيه وتنتقده جماهير أخرى، لكن السائد في علم السياسة الحديث، هو أن المنهج العلمي أو المدرسة السلوكية لها وضعها المتميز ولها تلامذتها ومريدوها الذين يرون بأنها تخدم العلم كثيراً وتؤدي دوراً رائداً في فهم الأحداث السياسية الجارية في عالم اليوم على الصعيدين الداخلي والخارجي للدول وفي دراسات النظم السياسية المقارنة والعلاقات الدولية والإدارة العامة.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يرى دارسو علم السياسة فيها بأن التطورات السياسية الحديثة جعلت من الممكن ظهور الدراسات الأكثر علمية في علم السياسة عبر استخدام الدراسات الكمية والإحصائية واستخدامات الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي.
في الماضي، ولنقل للسبعين سنة الماضية من الجهود التي بذلت لتطوير تقنيات وأساليب لإثبات فرضيات منتظمة وتنبؤية، كان علم السياسة أكثر قرباً بالمواضيع المرتبطة بالإنسان كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأجناس.
لذلك، فقد سعت المدرسة السلوكية إلى إيجاد مبادئ وقواعد لشرح العلاقات القائمة في داخل الدول وبين الدول وبعضها بعضاً، والهدف هو دراسة سلوك النظام السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي.
كان التركيز منصب لشرح السياسات الصغرى المحدودة، ودراسة الفاعلين السياسيين، وعلى الأفعال والسلوك عوضاً عن مؤسسات الحكومة الرسمية.
تلك الطريقة أفرزت البحث في التوجهات والميول السياسية والسلوك الشعبي ومناظير الأدوار، وأدوار القادة والنخب والسلوك الفردي والجماعي وتوظيف ذلك في صالح النظام السياسي، ودمج جميع مكونات المجتمع في النظام الحاكم.
وفي سياق ذلك تم استخدام مقولات وطروحات وأدوات تحليل أكثر تطوراً وأكثر فائدة من الناحية العلمية والتحليلية، كالجداول الرياضية والرسوم والمنحنيات البيانية والمعادلات الحسابية والإحصائية والموازين القياسية والنماذج الرياضية.
لقد بذلت جهود وفيرة لاستخدام المناهج الكمية والمقاييس الحسابية في علم السياسة في شكل مقولات مختصرة تختصر الوقت والمساحة في شكل معادلات رياضية استفاد منها علم السياسة كثيراً.
والهدف من ذلك هو خلق أوضاع تصورية تقرب من الواقع الحقيقي لعملية اتخاذ القرار السياسي عبر تقنيات مارين «المماثلة».
لكن الحديث عن إيجابيات المدرسة السلوكية لا يعني عدم وجود نواقص فيها، فتوجد محدودية في تطبيق المنهج العلمي في بحوث العلوم السياسية. 
إن الجوانب التي يتم تغطيتها من قبل المدرسة السلوكية، هي أقل عدداً وحيزاً من تلك التي يمكن تغطيتها من قبل المدرسة التقليدية أو الوصفية التي تنظر إلى علم السياسة من حيث كونه أحد فروع الآداب.
وهذا يعني أنه في علم السياسة يوجد الكثير مما هو قائم على جوانب غير دقيقة أو مؤكدة إلى حد اليقين، وهي غير قابلة للقياس أو خاضعة للمنطق الرياضي، لكنها بديهية ومدركة بالحدس وغير عقلانية.
وأمام هذا القصور في المدرسة السلوكية ولمعالجته اتبع علماء السياسية منهجاً دمجياً يقوم على الاستعانة بأكثر من منهج واحد لدراسة حالة سياسية معينة.
المفكر وعالم السياسة الأميركي الشهير هارولد لازويل يشير في كتابه «مستقبل علم السياسة» إلى العلم بأنه «علم انتهاج سياسة» يمكن له استيعاب جميع القيم الواردة في المنهجين الوصفي والسلوكي، فالمنهج الوصفي أو التقليدي يمكن له إعادة فحص أفكار وأهداف الإنسان والمجتمع بكثافة. ورواد المنهج السلوكي يتطلع إلى تقنيات أفضل لشرح وتفسير المادة العلمية المستخدمة في تطوير الافتراضات القابلة للشرح ولحل المشاكل المطروحة عندما يكون ذلك ممكناً أو مناسباً.

*كاتب إماراتي