في البطولات القارية الكبرى، لا تُختبر المنتخبات داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل -على نحوٍ أخطر- خارج حدوده، في فضاءٍ صاخب اسمه الإعلام ومنصّات التواصل. هناك، حيث تختلط السياسة بالرياضة، وتتماهى العاطفة مع التحليل، وتتحوّل الخسارة من نتيجة قابلة للتفسير إلى «قضية» مكتملة الأركان. في هذا الفضاء الرخو، تُستبدل قواعد القانون بلغة الاتهام، ويُستدعى «الآخر» بوصفه سبباً جاهزاً، وتُصاغ الرواية على مقاس الغضب لا على مقتضى الوقائع. و كأن كرة القدم لم تعُد لعبة تُحسم بجهدٍ وتكتيك، بل مسرحاً يُعاد فيه تمثيل أزمات أعمق من مجرد مباراة. دورة «كأس أمم أفريقيا» (كان) الخامسة والثلاثون، المنعقدة مؤخراً بالمملكة المغربية، كشفت هذا الانزلاق بجلاء. فقد فضّلت أصواتٌ معروفة نقل المنافسة من منطق الرياضة إلى منطق التسييس: مرة بالتشكيك في الاستضافة، ومرة بتغذية خطاب المظلومية، ومرة بجعل التحكيم شماعة تُعلّق عليها كل نتيجة لا تُرضي. هذا المسلك لا يفسّر الفشلَ بقدر ما يوفّر له مسكّناً نفسياً سريع المفعول: يريح البُنى الإدارية من عناء المحاسبة، ويُعفي الأجهزة الفنية من سؤال الإعداد والاختيارات، ويُقدّم للجمهور روايةً سهلة الهضم.
فالبحث عن «عدو خارجي» أقل كُلفة من الاعتراف بخلل داخلي، سواء في كرة القدم أو في مسارات أوسع من التنمية والنماء والحوكمة. غير أن الوقائع، حين تتراكم، تُسقط الروايات الهشّة. المغرب، بلد الاستضافة، قدّم بطولةً تُقرأ بمعايير التنظيم الحديث: بنى تحتية متقدّمة، انضباط لوجستي، أمن هادئ غير استعراضي، وتجربة جماهيرية جعلت السكينةَ جزءاً من الحدث. هنا تتبدّد لغة التشكيك، لأن المعايشة اليومية أقوى من الدعاية، ولأن الجغرافيا حين تُدار بكفاءة تتحوّل إلى رسالة سياسية ناعمة: مَن ينجح في تنظيم بطولة قارية، يبعث بإشارة أوسع عن قدرته على الإدارة والاستشراف. وعندما تسقط ورقة التنظيم، ينتقل الخطاب إلى ورقة التحكيم. «شماعة الحكَم» ليست جديدة، لكنها في هذه الدورة بدت كجزء من ثقافة فشل متجذّرة. تُستدعى لقطات قابلة للنقاش -وهو أمر طبيعي في كرة القدم- لا لتطوير الفهم أو تحسين القواعد، بل لتأثيم النتيجة.
ويزداد التناقض حين يُقرّ أصحاب هذا الخطاب بتفوّق الخصم، ثم يعودون ليجعلوا صافرة الحكم العامل الحاسم نفسياً. كأن المنتخبات الكبرى تُبنى ذهنيتها على ردود الفعل لا على التحضير، وعلى الأعذار لا على الصلابة. والحال أن التحكيم اليوم منظومة جماعية، محكومة بالتقنية والمراجعة، لا فرداً يختزل مصير مباراة. في المدرجات، ظهرت صورة أخرى أكثر عمقاً. مشجّع أفريقي استحضر رمز باتريس لومومبا، فحوّل التشجيع إلى استدعاء للذاكرة والكرامة.
وحين انزلقت لحظة إلى محاكاة مستفزّة، انكشف الفارق بين روح الرياضة وفقْر الحسّ الأخلاقي. الردّ جاء عملياً: تكريم واحتفاء، رسالة صامتة تقول إن أفريقيا لا تختزل في الضجيج، وإن كرامة الضيف جزء من السيادة الرمزية للاستضافة. مَن يحاول جعل المغرب «خصماً» في الحكاية، يتجاهل مساراً أطول من بطولة. النتائج المتراكمة –على مستوى المنتخب الأول والفئات السنّية– ليست مصادفة ولا حظاً. إنها ثمرة انتقال إلى مدرسة كروية: من التكوين إلى الانتقاء، من الانفعال إلى التخطيط، ومن الفوضى إلى الاستمرارية. هذا المسار الرياضي يعكس، في عمقه، خياراً سياسياً أوسع: الاستثمار في البنية بدل الخطاب، وفي المشروع بدل الشعارات. وهنا تتقاطع كرة القدم بالجيوسياسة.
فهذا النمط يُنتج خطاباً مرتفع الصوت ضعيف الأثر، يُراكم الإخفاقَ بدل معالجته. الخطر ليس في الاختلاف حول قرار تحكيمي، بل في تحويل الاختلاف إلى أيديولوجيا تبريرية دائمة. الإعلام، حين يتخلى عن دوره النقدي، يتحوّل إلى أداة تضليل ناعم: يسكّن الألم ولا يعالج الداء، يربح معركة الكلام ويخسر معركة البناء. كرة القدم، في جوهرها، لعبة تفاصيل واحتمالات، لكنها قبل ذلك مرآة للمنظومات.
مَن يملك الشجاعةَ لمواجهة خلله يتقدّم، ومن يلوذ بالشماعات يعيد إنتاجَ الفشل. ويبقى السؤال مفتوحاً، لا في الكرة وحدها بل في السياسة والتنمية: هل نريد نتائج حقيقية تُبنى بالعمل، أم روايات مريحة تُخفي العطب؟ وهل نقبل أن يكون القانون –في الملعب وخارجه– مرجعاً، أم نفضّل ضجيج المنصّات؟ حين نُحسن الإجابة، يستعيد الملعب حقّه في الحكم.. وربما تستعيد المجتمعات بوصلتها أيضاً.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة


