يعيش العالم اليوم في بيئة دولية غير مستقرة، تتراجع فيها اليقينياتُ، وتتغير الثوابتُ وتتحول القواعدُ في حراك عالمي مستمر نحو مستقبل تتشكل ملامحه بسرعة من دون أي فرصة لالتقاط الأنفاس. وبين أزمات صحية واقتصادية وجيوسياسية وبيئية، تجد الحكومات نفسها في مآزق شتى لفهم الاتجاهات الدولية وسط حروب وأزمات وتحولات تهزّ ما استقرت عليه المنظومات المتعارف عليها، وسط منافسة شرسة على النفوذ والموارد والمعرفة والتكنولوجيا.
هذه التحولات وحالة اللايقين لا تُتيحان للحكومات وقتاً كافياً للاستيعاب والتخطيط لأوضاع لا تهدأ، واستشراف مستقبل تتقلّب ثناياه يوماً بعد يوم. وفي هذا الزمن والظروف، تطلّ على العالم «القمة العالمية للحكومات 2026» من دبي، لإعطاء الفرصة للتفكر والتمحيص في المستقبل من نخب العالم ومبتكريه وصناع قراره، بغية الحوار والنقاش حول الغد وملفاته، من تقنيات تحويلية وطاقة جديدة واكتشافات علمية، ومكانة الشباب وسط هذه التغيرات الحالّةِ في عوالم التقنية والعلوم والتحديات البيئية، ومسارات التمكين والاستثمار في جيل المستقبل.
وفي هذه المنصة العالمية الأبرز، يتحاور أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونوابهم، و500 وزير، و700 رئيس تنفيذي لكبرى الشركات والمؤسسات العالمية، و87 عالماً حائزاً جوائزَ علميةً دولية، إضافةً إلى أكثر من 80 منظمة دولية وإقليمية، على أرض دولة الإمارات التي أضحت منصة عالمية لصناعة المستقبل، في بلدٍ أهّلته مكانته ليكون جسراً عالمياً للحوار، ومركزاً للفكر واستشراف الفرص لمستقبل أكثر ازدهاراً يتجاوز التحديات بالتنمية.
لقد جسدت القمة في دوراتها السابقة، وفي دورة عام 2026 الأكبر على الإطلاق، رؤى دولة الإمارات في خلق مناخ الحوار بمنصة جامعة للحكومات وأصحاب المصلحة لاستشراف المستقبل عبر توافر مساحات التفكير، في ظل الاختبارات العالمية الممتدة، ومسار إعادة التشكُّل في النظم العلمية والاقتصادية والدولية، وحاجة الحكومات إلى بصيرة لتحرك أسرع لمواجهة التحديات، وخلق حلول ابتكارية تساير المستقبل، وتتمكن منه لإدارته بوعي، لا بانتظار الكوارث والأزمات حتى تتفاقم.
وتتحمل حكومات العالم مسؤولية تنمية مجتمعاتها، غير أن العبء كبير، والرؤى متضاربة، وطريق النجاة يحتاج إلى استراتيجيات مشتركة للارتقاء بالعمل الحكومي وتوثيق التعاون بين الحكومات، عبر حلول واقعية للتحديات المتزايدة. ولن يتحقق ذلك إلا بالتشخيص الجيد للأوضاع المحلية والدولية الراهنة، ورسم تصورات تساعد الحكومات على القيام بأدوارها في الازدهار والتقدم.
ويبرز هنا بصورة خاصة الدور المتنامي لمراكز الفكر، ليس فقط كمُنِتِجٍ للبحث، بل كوسيط استراتيجي بين المعرفة وصانع القرار، وبين التحليل الأكاديمي ومتطلبات السياسات العامة. كما يبرز بصورة خاصة الدور الحاسم لهذه المراكز في استشراف المستقبل والمشاركة في صنعه من خلال ما يتوافر لديها من أدوات بحثية وتحليلية. ومن هنا كان حرص مركز تريندز للبحوث والاستشارات على التواجد بفاعلية في الحوارات المرتبطة بهذه القمة حول المستقبل، حيث سينظم جلسة بعنوان: «التوجهات المستقبلية من منظور مراكز الفكر العالمية».
إن معظم الحكومات، في عالمنا اليوم، بحاجة مُلحّة إلى مساحات التعاون الدولي غير المشروط، في ظل الأزمات الممتدة والطارئة، البشرية وغير البشرية. وقد يُخرجنا التفكير الجماعي والتعاون الدولي من ضغوط الأزمات إلى آفاق الابتكار والاستثمار في القطاعات الحيوية، ووضع أطر مستقبلية للسياسات المالية والرقمية والتكنولوجية ومستقبل العلوم والتكنولوجيا واقتصادات الجيل القادم، بغرض تحسن الكفاءة والحوكمة الحكومية، وفتح المساحات للشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص.
إن القمة العالمية للحكومات، منذ 2013، تتشابك مع المستقبل لبناء مستقبل أفضل للبشرية، يُمكّن الجيل القادم من الحكومات، ويحفّز التميّز الحكومي.
وإذا كان المستقبل يتسم بعدم اليقين، الممزوج بضغوط متزايدة من التكنولوجيا، وتغير المناخ والتوترات الجيوسياسية، فإن الاستثمار في المعرفة، والتفكير الطويل المدى، وتعزيز التعاون الدولي، كل ذلك يَظَلُّ هو الخيار الأكثر استدامة لصالح الأجيال القادمة.
*الرئيس التنفيذي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


