صوّت البرلمان الفرنسي منذ أيام بأغلبية 157صوتاً مقابل 101 على قرار لإدراج جماعة «الإخوان» على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وجاء في حيثيات القرار أن «الإخوان» يمثِّلون شبكةً أيديولوجيةً عابرةً للحدود، تدعو لإقامة نظام سياسي غير متوافق مع المبادئ الديمقراطية وسيادة القانون التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي، وأن الجماعة تستغل جمعياتٍ تعليميةً أو دينيةً أو خيريةً بهدف التأثير المؤسسي وبناء مجتمعات موازية.

واستشهد القرارُ بمواقف الإمارات ومصر وروسيا من الجماعة. ومن المعلوم أن القرارات التي تَصدر عن مؤسسة كالبرلمان الفرنسي لابد وأن تسبقها دراساتٌ وتقاريرٌ مدققة تسوِّغ اتخاذَ القرارات في المسائل المهمة كهذه المسألة الحساسة، حيث إن المجتمعات الأوروبية، ومنها المجتمع الفرنسي نفسه، تضم قطاعاً من المسلمين الذين قد يكون من بينهم مَن هو متأثر بأيديولوجيا «الإخوان» أو مخدوع بها، أو غير واعٍ بجوهرها الحقيقي، بحيث قد يتصور أن قراراً كهذا يمكن أن يكون مؤسَّساً على العداء للإسلام! ومن المعروف كذلك أن لفرنسا ثقلها الخاص داخل الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فمن المتوقع أن تكون لهذا القرار أصداؤه الأوروبية.

وقد جاء قرار البرلمان الفرنسي تالياً لقرار الإدارة الأميركية بتصنيف جماعة «الإخوان» في ثلاث دول عربية، هي مصر والأردن ولبنان، كمنظمات إرهابية. وصرّح وزيرُ الخارجية الأميركي في هذا السياق بأن الجماعة ترتكب أعمالَ عنف، مشيراً إلى أن بلاده ستستخدم كافةَ الأدوات من أجل حرمان فروع الجماعة في الدول الثلاث من الموارد، لأنها تستخدمها في أغراض إرهابية.

وقد انتُقِدَت هذه القرارات وهوجمت مِن دوائر الجماعة وأنصارها، فيما رحّبت الدول التي اكتوت بنار التطرف الإخواني بالقرارات كخطوة في الاتجاه الصحيح نحو كشف الجوهر الحقيقي للجماعة وممارساتها. ويأمل المرء أن تكون هذه القرارات مقدمةً للمحو النهائي للصورة الزائفة التي يجب الاعتراف بأن الجماعة استطاعت ترويجَها عن نفسها في الدوائر الأوروبية والأميركية كجماعة ديمقراطية سلمية تعمل انطلاقاً من قيم الإسلام السمحة القائمة على العدل والشورى!

وقد ترتب على ترويج هذه الصورة الكاذبة نشوءُ تيار داخل الدوائر الغربية، الرسمية وغير الرسمية، يرى أن «الإخوان» قادرون على الإسهام في تطوير الديمقراطية في العالم العربي، باعتبار أنهم جماعة ذات نزوع ديمقراطي من جانب، ويتبنّون صيغة معتدلة للإسلام من جانب آخر! وانطلاقاً من هذه الصورة الزائفة توهّمت تلك الدوائر أن وصول الجماعة للسُّلطة يضرب عصفورين بحجر واحد: إسقاط النُّظُم التي لا يرضى عنها الغرب، وتحصين المجتمعات ضد أفكار التنظيمات الإرهابية التي تنسب نفسَها للإسلام مثل «القاعدة» و«داعش»!

وقد استمعتُ شخصياً، في عام 1996، لبعض ممثلي هذه الدوائر من المنتمين للنخبة التنفيذية والتشريعية والإعلامية الأميركية خلال «سيمنار» مغلق حول الموقف من الحركات التي تنسب نفسَها للإسلام، وذلك برعاية مجلس الشؤون الخارجية في مدينة نيويورك.

وكانت حجة هؤلاء أننا لا نريد أن نصحو يوماً على نظام جديد مماثل للنظام الذي نشأ في إيران أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأن خير وسيلة لتجنب هذا الاحتمال هي أن تصل للسلطة «قوى إسلامية معتدلة»!

وللأمانة فقد مثّل أصحابُ هذا الرأي حوالي نصف الحاضرين، بينما تبنّى الباقون وجهات نظر مماثلة لنا. وقد طبق أوباما هذه السياسة تجاه مصر بعد تنحّي الرئيس مبارك، وكان لذلك ما يعرفه الجميعُ مِن تداعيات كارثية. فلعل القرارين الأخيرين، الأميركي والفرنسي، يمثِّلان لحظة الحقيقة في تعامل الغرب مع جماعة «الإخوان».

*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة