العلاقات بين الدول لا تُقاس بخطوط الطول والعرض، بل بالعمق والتجذير، والقرب والتقدير والمحبة والاحترام. علاقات الإمارات بالكويت متأصلة بين شعبي البلدين. علاقات بجذور عميقة مستمرة في جيلنا حتى اللحظة الراهنة. 
وفي الحديث عن قوة هذه العلاقات، أود الإشارة إلى أنه قبل 63 عاماً، وعلى وجه الدقة في العام 1963، كنا نتجول مع آبائنا في «سوق مرشد» ببر ديرة، ويندر لأي إنسان حتى الآن زائراً كان أم مقيماً يزور الإمارات، دون أن يمر على هذا السوق المميز الذي لا زال محتفظاً بطابعه القديم حتى الساعة، وكذلك يندر أن لا يحتاج أهل البلد إلى شراء بعض ضروراتهم من هذا المكان، خاصة كلما اقترب إلينا شهر رمضان المبارك.صاحب هذا السوق النادر تاجر كويتي اسمه مرشد العصيمي، شخصية لها بصمة واضحة في تاريخ دولة الإمارات، ومعروف اختصاراً بـ«مرشد» وهو الاسم الأشهر وأقدم أسواق دبي. كان العصيمي نموذجاً فريداً للتاجر الكويتي الناجح بأمانته وريادته، وعرف سكان دبي السينما عبر العصيمي بإنشائه أول دار عرض هناك.
وفي وثيقة نادرة صدرت عام 1963 من مكتب مرشد الراشد العصيمي، المقيم في «بر دبي»، يوجّه خطاباً إلى أمير دولة الكويت الأسبق الشيخ صباح الأحمد الجابر، رحمه الله، يفيده علماً بأن حاكم إمارة دبي آنذاك، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، استجاب وطلب رفعَ علَم دولة الكويت على مبنى مكتب مساعدات الخليج العربي في دبي، وأي محل من المحلات يرونه مناسباً، وهو موقف يعكس مكانة الكويت في قلوب أهل دبي وحكّامها، نظراً للمساعدات التي كانت الكويت تقدمها في التعليم والخدمات الصحية خلال خمسينيات القرن الماضي.
بعد سنوات طويلة، علمنا بأن هذا الرجل كان الساعد الأيمن للشيخ صباح الأحمد (الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير خارجية الكويت)، في توفير المستلزمات الخاصة بالمدارس عن طريق شرائها من السوق المحلي، تمهيداً لتوزيعها للمدارس في الإمارات، إضافة إلى كل مستلزمات التعليم والتربية من الكادر التعليمي والإداري، وإيصال التغذية المدرسية الصحية الطازجة التي كانت تصل إلى المدارس في التوقيت المناسب على مدار السنوات التي أدارت دائرة المعارف الكويتية جميع المؤسسات التعليمية في مجتمع الإمارات. ولم تقتصر المساعدات الكويتية في الجانب التعليمي على مستوى الإمارات فحسب، بل علمنا كذلك بأن هذا الملف كان هو الشغل الشاغل للشيخ صباح الأحمد في دعم اليمن والسودان. وعندما حانت ساعة الإنسانية العظمى صعد الشيخ صباح الأحمد الصباح منصة الأمم المتحدة في عام 2014، ليتسلم درع قائد الإنسانية من «بان كي مون» أمين عام المنظمة الأممية آنذاك. ونحن نرى أن أفعاله الإنسانية منذ خمسينيات القرن الماضي تؤهله لهذه المكانة العالمية بجدارة مستحقة.
هذا وقد تشرفت بحضور حفل تكريم هذا القائد الإنساني من قبل دولتي الإمارات في ذات العام في حفل لا يمكن للذاكرة نسيانه لأن مكانته حفرت فيها، والإمارات قدّرته تقديراً يليق بمقامه السامي.
*كاتب إماراتي