يحتار صاحب الرأي إلى ماذا يذهب في هذه الخصومات الدائرة في المجال الدولي والإقليمي. فالبلدان المضطربة الآن، والتي تزيدها الضغوط الأميركية اضطراباً، مثل إيران والعراق وسوريا ولبنان، تختلف أوضاعها الواحدة عن الأخرى. إذ فيما عدا إيران وسوريا، وقد كانتا في المعسكر الآخر، فإنّ البلدين الآخرين كانا قريبين من السياسات الأميركية في المنطقة. فقد غزت أميركا العراق عام 2003، وبتعاونٍ ما مع إيران، ثم سيطرت الجماعات الموالية لإيران بعد الخروج الأميركي 2010-2011.
وقد خرجت أميركا ولم تخرج، في حين تصر إيران على نفوذها رغم الانقسام الداخلي حول هذا النفوذ.
والإيرانيون يدعمون الآن ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، في حين يرى الأميركيون أن حكومتيه السابقتين كانتا فاشلتين، حيث اضطر الأميركيون للعودة بعسكرهم ومعسكرهم الدولي لعجز المالكي عن الصمود في وجه «داعش».
والسؤال الآن ليس حول ما إذا كان للولايات المتحدة حق التدخل في الأوضاع الداخلية فحسب، بل حول ما إن كانت هناك جدوى من إعادة التجربة التي فشلت مرتين؟!
ولماذا يكون هناك حديث عن الإخلال بالسيادة عندما تتدخل أميركا، ولا يكون هناك إخلال بالسيادة عندما تسيطر إيران؟! ولنفكر بالحالة اللبنانية. إذ منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي سيطر تنظيم مسلَّح موالٍ لإيران على الأمن وجزء من الإدارة، وشن حروباً على إسرائيل من لبنان تبعاً لما تقتضيه مصالح إيران في علاقاتها المتوترة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وكانت «حرب الإسناد» الأخيرة هي القاضية بسبب التفوق الإسرائيلي الساحق. المشكلة الآن أن الأميركيين إلى جانب الإسرائيليين في نزع سلاح «الحزب». وهو الأمر الذي يشاركهم فيه معظم اللبنانيين والحكومة ورئاسة الجمهورية، لأن السلاح عبء ثقيل بالداخل، بينما يصر الحزب وأنصاره على إشهار السلاح بوجه السلطة، لأنهم ما عادوا يستطيعون إشهاره جدياً على إسرائيل عبر الحدود!
صحيح أن هناك إشكاليات فيما يتعلق بالتدخل الأميركي في مسألة السيادة والشأن الداخلي. لكنّ الناس في العراق، وأكثر في لبنان، ما عادوا يقبلون الميليشيات وسلاحها، والذي عطّل على مدى عقود تكونَ الدولة في البلدين وتطورها المؤسسي. وفي لبنان أكثر من العراق يأخذ الحزبُ المسلح لنفسه صلاحيات الحرب والسلم، ولا دولة حقيقية من دون الانفراد بهذا الحق! في العراق ولبنان نقع بين رهانين: الرهان الإيراني على الميليشيات، والرهان الأميركي على احتواء البلدان لصالح المحور الأميركي خارج النفوذ الإيراني. أما الوضع السوري فمختلف، فالولايات المتحدة تتدخل لصالح استعادة وحدة الأرض والدولة السورية بعد النزاع الداخلي الطويل.
والأميركيون ذوو مصلحة استراتيجية، لأن سوريا تاريخياً كانت من حلفاء الاتحاد السوفييتي وروسيا الاتحادية وإيران.
وتبقى المسألة الإيرانية، فقد خرج الإيرانيون من سوريا، لكنهم لا زالوا ينازعون الأميركيين في العراق ولبنان عبر الجماعات الموالية لهم. الناس في البلدان الثلاثة عانوا وتعبوا وتهجروا، وهم متشوقون لاستقبال الاستقرار والسلام. لكنهم يجدون أنفسَهم أمام تحديات الحرب أو استمرار النزاع. إذ تبدو الحرب الأميركية ضد إيران على الأبواب. إنما في هذه الحرب سيعاني العراقيون واللبنانيون أيضاً بسبب التجذرات الإيرانية في البلدين.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


