في عالمٍ تتراجع فيه قدرة الدول على إنتاج الاستقرار والتنمية والسلام، لم يعد معيار التقدّم في السياسة الدولية مرهوناً بامتلاك النفوذ أو فائض القوة، بل بقدرة هذا النفوذ على التحوّل إلى طمأنينة إنسانية، واستدامة اجتماعية تُنتج الثقة وتحفظ كرامة الإنسان.
وتكشف الأزمات المعاصرة عن عجزٍ بنيوي في منظومات الوقاية والمعالجة، مع اتساع الفجوة بين الخطاب الإنساني والممارسة الفعلية، إذ يتراجع الالتزام الدولي كلما تصاعدت الاحتياجات الإنسانية والتنموية، ويغيب التضامن في اللحظة التي يصبح فيها أكثر إلحاحاً. ويُحتم هذا الواقع إعادة ضبط مفهوم التقدّم، لا بوصفه تراكم قوة أو مؤشرات اقتصادية، بل باعتباره قدرة الدول على بناء الثقة العامة، وتحويل القيم المعلنة إلى أفعال مؤسسية قابلة للاستمرار.
في هذا السياق، يؤكد النهج الإماراتي أن سدّ فجوة الالتزام لا يتحقق بالشعارات، بل عبر توسيع الشراكات، وتحويل التضامن من فعلٍ أخلاقي عابر إلى جهدٍ جماعي مؤسسي، يُدار كخيار سيادي واعٍ لصناعة استقرار مستدام، لا كاستجابة ظرفية لأزمات متلاحقة. وحين يُقرأ هذا النهج بمنطق التحليل العالمي، يتبيّن أن ما تفعله الإمارات يتجاوز الاستجابة الإنسانية، ليشكّل نموذجاً من القوة الرشيدة يحوّل النفوذ إلى أثرٍ مستدام. فالمساعدات، حين تُدار مؤسسياً، لا تُخفّف المعاناة فقط، بل تُقلّص الهشاشة التي قد تتحول إلى نزوح واضطرابات وفراغات أمنية، ما يجعل الاستثمار في الإنسان جزءاً من الوقاية الاستراتيجية بعيدة المدى. وتكشف تقارير الأمم المتحدة عن خللٍ متفاقم في منظومة التمويل الإنساني العالمي.
فبحسب التقرير الإنساني العالمي لعام 2026، يحتاج نحو 239 مليون إنسان إلى مساعدات إنسانية، بإجمالي تمويل مطلوب يبلغ 33 مليار دولار، بينما لم يُسجَّل حتى نهاية يناير 2026 سوى نحو 10% من هذه المتطلبات. وقد اضطر هذا العجز منظمات إنسانية إلى تقليص برامجها إلى حدود البقاء، ما يكشف عن أزمة تمويلية لا تُهدّد الاستجابة الإنسانية فحسب، بل تُنتج ضغوطاً متراكمة على الاقتصاد العالمي، وأنماط الهجرة، ومعادلات الاستقرار الدولي. ضمن هذا المشهد، لا تقرأ التجربة الإماراتية بوصفها قصة نجاح تنموي داخلي فحسب، بل خياراً فكرياً وسيادياً أعاد تعريف دور الدولة الحديثة، دولة لا تفصل بين التنمية والأمن، ولا تنظر إلى الإنسان باعتباره عبئاً على السياسات العامة، بل تعتبره محورها وغايتها الأولى.
وحين يُعاد الإنسان إلى قلب القرار، تتحوّل الدولة من جهاز إدارة تقليدي إلى منظومة رعاية وحماية، قادرة على إنتاج استقرار مستدام طويل المدى. لقد أعادت الإمارات تعريف التنمية باعتبارها عناية استباقية بالإنسان، حيث يصبح الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وجودة الحياة وتمكين المجتمع خيارات سيادية طويلة الأمد، تُنتج الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وتربط مستقبل الفرد برؤية تنموية وطنية واضحة. ولأن هذا المسار لا يكتمل بالشعارات، فقد اقترن ببنية إنسانية مؤسسية متكاملة تشكّلت داخل دولة الإمارات على مدى عقود، جعلت من العمل الإنساني فعل دولة لا مبادرة ظرفية. وإلى جانب المؤسسات الإنسانية والتنموية، جاءت التشريعات والمراسيم الاتحادية لتؤكد أن العطاء بات جزءاً أصيلاً من منظومة الحوكمة الوطنية.
وفي هذا الإطار، شكّل إنشاء مؤسسة إرث زايد الإنساني مظلّة استراتيجية تنسّق العمل الإنساني والتنموي لدولة الإمارات، وتحول إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من قيمة أخلاقية مُلهمة إلى بنية تشغيل مستدامة تُدار بعقل التخطيط طويل المدى، وتربط الإغاثة بالتعافي، والمساعدات بالتنمية. كما عزّز إنشاء وكالة الإمارات للمساعدات الدولية هذا التوجّه المؤسسي، بما يعكس إدراكاً سيادياً، بأن المساعدات لم تعد فعل استجابة آنية، بل أداة استقرار تُخطّط وتُنفّذ وتقيَّم وفق معايير واضحة، تضع كرامة الإنسان في صدارة القرار، وتنقل الجهد الإنساني من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على الصمود. وتستند هذه المقاربة إلى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي تنظر إلى العطاء الإنساني بوصفه عنصراً بنيوياً في معادلة الاستقرار الاستراتيجي، لا مجرّد التزام أخلاقي أو استجابة ظرفية.
ففي هذا النهج، يُدار الدعم الإنساني كأداة وقائية لتقليص الهشاشة، ومنع تحوّل الأزمات الإنسانية إلى تهديدات أمنية. كما تقوم هذه الرؤية على توسيع نطاق الشراكات الإنسانية الدولية، بوصفها وسيلة لتعظيم الأثر، عبر بناء شراكات فاعلة مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمنظمات الدولية والدول الصديقة، بما يضمن تنسيق الجهود وتجنّب الازدواجية، وتحويل المساعدات من تدخلات عاجلة محدودة الأثر إلى مسارات تعافٍ وتنمية طويلة الأمد. ويجسّد التعهّد الإماراتي بدعم خطة الأمم المتحدة الإنسانية لعام 2026 بمبلغ 550 مليون دولار هذا الإدراك السيادي، الذي يرى أن حماية الإنسان حيثما كان هي حماية للأمن الجماعي، وأن بناء السلام يبدأ بتقليص الألم من جذوره، لا بإدارته.
وتشير المؤشرات الدولية إلى متانة هذا النهج، إذ صُنّفت دولة الإمارات في عام 2025 ضمن المرتبة الثالثة عالمياً بين أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية، بإجمالي مساهمات بلغ نحو 1.46 مليار دولار، أي ما يقارب 7.2% من إجمالي المساعدات الإنسانية المسجّلة عالمياً، في وقت يشهد فيه النظام الإنساني الدولي تراجعاً غير مسبوق في التمويل والإرادة الجماعية. ويتميّز النموذج الإماراتي بأنه لا يتعامل مع العطاء بمنطق الحدث، بل بمنطق البنية طويلة الأمد، حيث تُربط الإغاثة بالتعافي، والمساعدات بالتنمية، ضمن رؤية ترى في الإنسان أصل الاستقرار وغايته.
من هنا، تتجسّد الإمارات شجرة طيبة، أصلها ثابت في الداخل ببناء الإنسان وتعزيز مناعته الاجتماعية، وظلّها ممتد إلى الخارج بوصفه أثراً طبيعياً لا افتعالاً سياسياً. فالعطاء الإنساني في هذا النموذج ليس ترفاً أخلاقياً ولا دعاية إعلامية، بل امتداد منطقي لدولة تأسّست على قيم الخير، وتُدار بعقلٍ استشرافي، وتراهن على المستقبل بوصفه مسؤولية إنسانية مشتركة، وتقدّم نموذجاً يؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالقوة وحدها، بل ببناء الإنسان أولاً.
*كاتب وباحث إماراتي.


