هل باتت حملات التضليل الإعلامي، في عالم اليوم، أداة فاعلة حقّاً في التأثير بمسارات الدول وصورها الاستراتيجية؟ أم أن فاعليتها تظل رهينة طبيعة الدولة المستهدَفة، ومدى انشغالها بالرد على الضوضاء، مقابل انخراطها العميق في التفكير والتخطيط لما هو أبعد من اللحظة الراهنة؟

نسير مع القارئ الكريم في مقاربة هذا الطرح من زاوية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ولكنها ذات دلالة استراتيجية عميقة في جوهرها، زاوية الفرق بين من ينتظر المستقبل، ومن يعيشه الآن فعلاً؛ فهناك دول تجعل من المستقبل وعداً مؤجلاً، تخطط له بخطابات موسمية، وتستحضره عند الحاجة الإعلامية، ودول أخرى تجاوزت هذا الإطار، فلا تفكر في المستقبل بصفته مقبلاً؛ بل بصفته واقعاً يُدار ويُصاغ الآن.

وفي هذا السياق تبرز تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مختلفاً في التعامل مع الزمن، فالإمارات لا تنتظر المستقبل، بل تعيشه، وتديره، وتعيد تعريفه باستمرار.

وهذا الفارق هو ما يجعل حملات التضليل الإعلامي، مهما علت نبرتها أو تنوَّعت أدواتها، تبدو مجرد صخب عابر خارج السياق. ولعل ما يلفت الانتباه في هذه الحملات ليس حدّتها، بل تكرارها واعتمادها على منطق ردِّ الفعل، وإثارة الجدل، وجرِّ الدول إلى مربعات الدفاع والتبرير والانشغال بما يُقال عنها، لا بما تفعله فعلياً.

غير أن الإمارات اختارت مساراً مختلفاً، مسار الترفُّع عن الضوضاء، لا تجاهلاً، بل وعياً بطبيعتها وحدود تأثيرها. الترفُّع لا يعني الصمت السلبي، بل يعني الانشغال بما هو أكثر أهمية: التخطيط، والبناء، والاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار. ففي الوقت الذي تنشغل فيه بعض الأطراف بصناعة سرديات عدائية تنشغل الإمارات بصناعة واقع جديد، تُقاس نتائجه بالمؤشرات لا بالعناوين، وبالمنجزات لا بالادعاءات. ومن هنا فإن حملات التضليل تفشل عندما تصطدم بدولة تملك وضوح الرؤية، واستمرارية التخطيط، وثقة المجتمع بقيادته؛ فالتضليل، في جوهره، يبحث عن فراغ، فراغ في المعلومة، أو في الثقة، أو في الإنجاز، وحين يغيب هذا، فإن الضجيج يتلاشى.

ويزداد المعنى وضوحاً حين نربطه بالفكر الاستراتيجي في الإمارات، فكر لا يكتفي بوضع الخطط للمستقبل، بل يتجاوز ذلك إلى التفكير في ما بعد المستقبل؛ فالتقنيات المتقدمة، واستشراف التحولات الكبرى، والاستعداد لسيناريوهات معقدة، ليست مشروعات تكميلية، بل هي جزء من رؤية شاملة ترى في الاستباق ضماناً للاستقرار، وفي المرونة مصدراً للقوة؛ ولهذا فإن المفارقة لا تكمن في وجود حملات عدائية، فذلك أمر مألوف في السياسة الدولية، بل في محدودية تأثيرها بدولة جعلت من الإنجاز لغتها الأساسية، ومن العمل الصامت خطابها الأكثر بلاغة. هو نهج القيادة الرشيدة التي أدركت مبكراً أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تدعيه، بل بتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي؛ فاختيار التهدئة، وتغليب العقل، وتقديم نموذج تنموي متوازن، كلها عناصر أسهمت في ترسيخ صورة الإمارات دولةً فاعلةً، لا منفعلة، ومبادِرة لا مُستدرَجة.

ويدرك القارئ الكريم هنا لماذا لا تنخرط الإمارات في سجالات عقيمة، ولا تُقايض مسارها الاستراتيجي بالالتفات إلى ضوضاء عابرة؛ فالمستقبل لا ينتظر من يتوقف عند كل منعطف صوتي، بل يُكافئ من يواصل. وهنا لا يغدو الامتنان للإمارات، وللقيادة الرشيدة، مجرّد تعبير عاطفي، أو عبارة متداولة، بل يتحوّل إلى شكرٍ واعٍ لمسارٍ اختارت فيه القيادة أن تعبر بالشعب إلى المستقبل، بثباتٍ ورؤية، وأن تترفّع عن كل ما من شأنه إعاقة هذا التقدُّم أو استنزافه في سجالات عابرة، فـ«الحمد لله على نعمة الإمارات»، تُقال لأن وراءها قيادة جعلت من السموِّ عن العوائق، والاستثمار في الإنسان والمستقبل، نهجاً دائماً.

*كاتب إماراتي.