منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، تتواصل الجهود الدبلوماسية الإماراتية؛ بهدف وضع نهاية للحرب وتخفيف أوزارها الإنسانية. والحق أنّ ما بذلته وتبذله الدبلوماسية الإماراتية يُوصف بأنّه «الجهد الأكثر تنسيقاً» منذ بدء الحرب، سواء على مستوى الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وتبادل الأسرى، أو على مستوى المساعي الحميدة وجهود الوساطة.
لقد اهتمت دولة الإمارات بالوضع الإنساني في أوكرانيا، ووفرت إمدادات إغاثية «غذائية وطبية وتعليمية ومدنية» للأوكرانيين داخل بلادهم وفي جوارها القريب، وانخرطت في الجهود الدولية الخاصة بتعافي أوكرانيا.
ثم تقدمت الدبلوماسية الإماراتية خطوة أخرى في المجال الإنساني المميز لها، عن طريق الانخراط في 18 جولة لتبادل الأسرى بين طرفي الحرب، كان أولها في يناير 2024 وآخرها في فبراير الجاري، أسفرت عن إطلاق نحو 4900 أسير من الطرفين.
ثم توسع الدور الإماراتي ليتجاوز الدبلوماسية الإنسانية عبر بذل مساعٍ حميدة بين طرفي الحرب، ولاسيّما عن طريق دبلوماسية القمة التي اضطلع بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ بهدف تقريب وجهات النظر، وبناء الثقة بين الطرفين. كما دعمت دولة الإمارات الجهود الدولية كافة لإيجاد حل سلمي للحرب، ولاسيّما أثناء عضويتها في مجلس الأمن (2022 - 2023).
وبعد أنْ حازت ثقة وتقدير طرفي الحرب، شهد الشهر المنصرم تحولاً جوهرياً في جهود الوساطة الدولية لإنهاء الحرب التي تُكمل عامها الرابع بعد أيام، فقد وقع الاختيار على أبوظبي لتنتقل إليها أهم محطات المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، وهي أول مفاوضات علنية مباشرة بين الروس والأوكرانيين. وانعقدت حتى الآن جولتان من المفاوضات، وُصِفَتَ كل منهما بالمثمرة، إذ قربت طرفي الحرب، أكثر من أي وقتٍ مضى، إلى التسوية المنشودة، ربما في مارس المقبل.
ومازالت دولة الإمارات تكثف مساعيها الحميدة وجهود الوساطة بين طرفي الحرب، إلى جانب الولايات المتحدة، للوصول إلى هذا الهدف. فقد وفّرت الإمارات بيئة تتيح انخراطاً دبلوماسياً مباشراً وفعّالاً وعلى أعلى المستويات بين الأطراف الثلاثة.
والتقى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، برؤساء الوفود المشاركة في المحادثات لحثهم على الخروج بنتائج إيجابية تُسهم في إنهاء الحرب. وبُعَيْد انطلاقها بنجاح، وظف سموه مرة أخرى دبلوماسية القمة بزيارة مفاجئة إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وخلال لقائهما، جدّد سموه دعم دولة الإمارات للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأكد أهمية التوصل إلى حل دبلوماسي لها.
وقد تمكنت الدبلوماسية الإماراتية من الانخراط الفعّال في جهود التسوية للحرب الروسية - الأوكرانية استناداً إلى كفاءتها ومرونتها، واستثمارها لعلاقات الصداقة والشراكة المتوازنة التي تربط دولة الإمارات بكلٍ من روسيا وأوكرانيا، وحيادها الإيجابي تجاه الحرب، وقدرتها على العمل بشكل متناغم مع القوى الكبرى، والأهم من ذلك جهود صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التي تلقت إشاداتٍ دولية متكررة، ولاسيّما من رؤساء الدول الثلاث المنخرطين في مباحثات أبوظبي. وتمارس دولة الإمارات الوساطة وفق مبدأ إمكانية إنهاء النزاعات بالحوار، وتحقيق اختراق بالجهود المستمرة في طرح البدائل، ووضع الضمانات لعدم العودة إلى الصراع، والتأكيد على عوائد السلام.
إن الثقة الدولية بسياسة دولة الإمارات لتحقيق الاستقرار جعلها وسيطاً وازناً بين مختلف الأطراف، وعلاقاتها الإيجابية حول العالم جعلها شريكاً موثوقاً به في دعم السلام. وبمرونة دبلوماسية تتجاوز التحديات، تكتسب الدولة قوة التأثير في كثير من الملفات الإقليمية والعالمية، وهو نهج ينسجم مع أولويات سياستها الخارجية التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في عام 2022، حيث تسعى الدولة إلى خفض التصعيد وحل النزاعات، من خلال دعم الحلول السياسية والدبلوماسية.
*الرئيس التنفيذي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات


