في السنة الثانية من رئاسة ترامب، يتبلور إجماع بين السياسيين والمحللين والجمهور على أننا ندخل عالماً مضطرباً. وقد تجلّى ذلك في خطاب لافت ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث حذّر نخبة دافوس من أن «الشرخ» الذي أحدثته الأحادية الجديدة للولايات المتحدة في النظام العالمي، يُعيدنا إلى حقبة التنافس بين القوى العظمى، حيث، وكما قال المؤرخ ثوسيديدس، «يفعل الأقوياء ما في وسعهم، ويعاني الضعفاء ما يجب عليهم تحمله».

ويُفترض على نطاق واسع أن الاقتصاد العالمي يعاني من التدهور أيضاً. كتب البروفيسور «فرانسيسكو إتش. جي. فيريرا» من كلية لندن للاقتصاد في أبريل: «أن النظام الاقتصادي العالمي الذي ساد بعد الحرب بات على وشك الانهيار». ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث، قال 70% من المشاركين في 25 دولة، إن الأوضاع الاقتصادية العالمية تُشكل تهديداً كبيراً لبلدانهم.

لكن من الناحية الاقتصادية، لا تعكس هذه الكلمات وهذه التصورات الذهنية الواقع. فالعالم يزدهر اقتصادياً أكثر من أي وقت مضى وفي معظم الأماكن تقريباً، لدرجة تبدو معها الصورة مشوهة بين نظرة الناس للأوضاع وما يحدث على أرض الواقع.

لنأخذ الناتج المحلي الإجمالي العالمي كمثال. قد يظن المرء أن الأثر الصافي لأحداث السنوات القليلة الماضية - بما في ذلك جائحة فيروس كورونا وتداعياتها، وتصرفات الرئيس دونالد ترامب المتهورة وغير المتوقعة، وقصف روسيا لأوكرانيا، وتزايد النزعة الاستبدادية في الصين - سيؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي. لكن الأمر ليس كذلك. بحسب البنك الدولي، بلغ النمو العالمي 2.6% في عام 2025، بينما بلغ 3.3% وفقاً لصندوق النقد الدولي. صحيح أن هذا الرقم أقل قليلاً من عامي 2023 و2024، إلا أن العالم عموماً شهد ازدهاراً ملحوظاً منذ منتصف القرن العشرين، وعادةً ما يتباطأ النمو مع ازدياد ثراء الدول وشيخوخة سكانها. وقد شهدت عشرات الدول النامية، كالهند والصين وإندونيسيا والبرازيل وتركيا وفيتنام، نمواً قوياً للغاية وتوسعاً كبيراً في ثروة الطبقة الوسطى.

وماذا عن الفوضى الاقتصادية التي كان يُفترض أن تشعلها الحروب التجارية التي غذّتها الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة؟ لا أثر لها في الأرقام أو في تدفقات التجارة العالمية. فعلى الرغم من أن الرسوم الجمركية الأميركية بلغت أعلى مستوياتها منذ ثلاثينات القرن الماضي (وإن كانت أقل بكثير مما أُعلن في أبريل الماضي)، فإن إجمالي التجارة الأميركية ارتفع في عام 2025، كما ازدهرت التجارة بين الدول الأخرى بعيداً عن الولايات المتحدة.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال مستورداً ومصدراً رئيسياً، فإن حصتها من التجارة العالمية تراجعت مع توسّع حجم التجارة العالمية. وقد تراجعت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بشكل مطّرد، لكنها ارتفعت بوتيرة أسرع إلى بقية العالم. بعض ذلك وسيلة للالتفاف على الرسوم، لكن كثيراً منه يعود ببساطة إلى أن الروابط بين الدول تتزايد بسرعة بينما يتراجع الدور المركزي للولايات المتحدة.

نادراً ما يمر شهر دون أن تعلن دولة أو تكتل من الدول عن اتفاق تجاري جديد. فمنذ سبتمبر، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقات مع الهند وإندونيسيا ودول ميركوسور في أميركا اللاتينية (الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي)، وهو يتفاوض حالياً مع الإمارات العربية المتحدة وأستراليا والفلبين.

كما وقّعت كندا مؤخراً اتفاقاً مع كوريا الجنوبية، وتدرس كندا والصين اتفاقاً تجارياً أشمل. وانضمت بريطانيا حديثاً إلى اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ في آسيا. وقد وقّعت معظم الدول الأفريقية البالغ عددها 55 دولة على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. كما تعمل جمهوريات آسيا الوسطى تدريجياً على إنشاء منطقة تجارة حرة خاصة بها، إضافة إلى تعاون تجاري أوسع مع الصين. التجارة ليست سوى رمز لعالم يمضي قدماً سواء بمشاركة الولايات المتحدة أم من دونها. فمعظم الاقتصادات الكبرى تواصل تسجيل نمو أفضل من المتوقع.

وتُعدّ التوسع الحضري، وارتفاع مستويات التعليم، وزيادة استهلاك الطبقة الوسطى، وتحسّن استجابة الحكومات، سمات سائدة في معظم البلدان، أكثر من الحروب والقمع والتوترات الإقليمية المتصاعدة التي تتصدر العناوين. نعم، تلك العناوين تعكس أحداثاً حقيقية، لكنها غير متناسبة في حجمها. فلا نجد تغطية لقوة الأداء الاقتصادي في جنوب شرق آسيا تعادل حجم النقاشات القاتمة حول الأوضاع المأساوية في السودان أو إيران أو غزة.

جزء من المشكلة يكمن في طبيعة الأخبار والسياسة: فما لا يُثير ضجة، لا يتصدر العناوين. لكن جوهر هذا التناقض يكمن في أن العديد من الأمور الإيجابية تحدث بهدوء، بينما تحدث الأمور السلبية بصخب. أثرت الفوضى التي أحدثتها مخططات ترامب بشأن جرينلاند على المواقف العامة، لكنها لم تمس الحياة اليومية لمليارات الأشخاص في الهند والأرجنتين والبرازيل وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية وغيرها، والذين ما زالوا يشهدون مكاسب ملموسة في الرخاء المادي.

* كاتب ومستثمر أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»