يشير التاريخ إلى أن إعلان متصدر لسباق رئاسي قبل ما يقرب من ثلاث سنوات من يوم الانتخابات تصرّف يصل إلى حد التهور. ففي أوائل عام 2014، لم يكن أحد يتوقع أن يفوز دونالد ترامب بأي شيء، باستثناء ربما لقب صاحب أعلى نسب مشاهدة لبرنامج «ذا أبرينتس».
ومع ذلك، فإن التقليل من شأن البروز المبكر لحاكم كاليفورنيا «جافين نيوسوم» - أقرب ما يكون إلى المرشح الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب «الديمقراطي» لعام 2028 - سيكون تهوراً مماثلاً. في الأوساط الوطنية، يُنظر إلى نيوسوم غالباً على أنه زعيمٌ بارعٌ لولايةٍ «ديمقراطيةٍ» تعاني من ويلات التشرد وارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات التقدمية المفرطة. هذه التصورات ليست خاطئة.
ولكن إذا سارت الأمور لصالح نيوسوم خلال العامين المقبلين، فقد تصبح هذه التصورات غير ذات أهمية. بالفعل، وفي المراحل المبكرة من حملة غير مُعلنة لا يشك أحد في أنها جارية على قدم وساق، سارت أمور كثيرة في صالح هذا السياسي المخضرم البالغ من العمر 58 عاماً.
فمن خلال تقديم نفسه كأكثر المتحدثين بروزاً وفعاليةً في معارضة ترامب، بدأ نيوسوم في تعريف نفسه للجمهور الوطني كمحاربٍ مبدعٍ وحاضرٍ في كل مكانٍ ومتحمسٍ، مستعدٍ لقول وفعل كل ما يلزم لمواجهة تجاوزات ترامب. وبحسب استطلاعات الرأي المبكرة والضجة الكبيرة التي أثيرت في بداية الحملة الانتخابية، يبرز «نيوسوم» عن باقي المرشحين المحتملين. وحدها كامالا هاريس، التي تلتزم نسبياً بالهدوء وتستفيد من شهرتها كنائبة سابقة للرئيس ومرشحة رئاسية، تسجل نتائج مماثلة لزميلها من كاليفورنيا.
مع ذلك، لا يزال الانطباع سائداً، لا سيما بين السياسيين ذوي الميول اليسارية الذين يتوقون إلى وجه جديد لاستعادة البيت الأبيض، بأن نيوسوم ليس هو الشخص المناسب. فهو تقدمي جداً في توجهاته، على سبيل المثال في دعمه الصريح للبيئة الذي يجعله مؤيداً لفرض استخدام السيارات الكهربائية. كما أنه أنيقٌ للغاية. وهو أيضاً نتاجٌ للسياسة الليبرالية الداخلية في كاليفورنيا، حيث لا يُعدّ هزيمة «الجمهوريين» جزءاً من التدريب، كما أشار الصحفي «ماثيو إيجليسياس» مؤخراً.
ومع ذلك، فإن مجرد كونه حاضراً بقوة في النقاش الوطني في هذه المرحلة المبكرة يفسر سبب اعتباره منافساً قوياً. فمن خلال تحويله إلى هدف دائم للانتقاد لسنوات، قدمت وسائل إعلام محافظة مثل «فوكس نيوز» خدمة لنيوسوم: فالناخبون يعرفون من هو. ورغم أنه «ديمقراطي» من يسار الوسط على غرار باراك أوباما وجو بايدن، فإن سكان سان فرانسيسكو خاصة يعرفون أنه ليس تقدمياً متشدداً. ففي بداياته السياسية، عُرف بدعوته إلى نهج أقل تساهلاً مع التشرد مما اعتادت عليه المدينة، على سبيل المثال.
وقبل دخوله عالم السياسة، عمل «نيوسوم» لفترة وجيزة في مجال ريادة الأعمال، وكان دائماً ذا ميول داعمة للأعمال، فضلاً عن علاقاته الودية مع قادة الشركات. لا يمكن مظهر «نيوسوم» الأنيق الذي قد يكون مادة للسخرية، لكنه يتمتع بكاريزما وسحر شخصي يفسران جزئياً سبب عدم خسارته أي انتخابات. وهو أيضاً خبير سياسي مُحنّك، دائماً ما يكون مُستعداً بالإحصائيات والمواقف. صحيح أن نيوسوم لم يكن مضطراً لكسب أصوات «الجمهوريين» في كاليفورنيا ذات الميول «الديمقراطية» القوية، فقد تحرك بذكاء - إن لم يكن نحو الوسط - نحو موقف مُعلن جيداً يدعو إلى الحوار مع خصومه السياسيين.
وكان الناشط في حركة «ماجا» الراحل تشارلي كيرك أول ضيف في بودكاست نيوسوم قبل عام، وهي خطوة أثارت غضب التقدميين لكنها أظهرت استعداده للتواصل. قد يبدو نيوسوم أحياناً وكأنه يتلو نصاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه يتغلب على عسر القراءة الحاد لديه بحفظ عباراته عن ظهر قلب.
وقد ينفر البعض من ميله إلى صياغة العبارات الرنانة. ففي مقابلة بودكاست استمرت 47 دقيقة مؤخراً، أعرب ثلاث مرات عن رغبته في التعامل مع ترامب «بروح ودية، لا بعنف». لكن لهذا الأمر جانب إيجابي أيضاً، فالناخبون الذين يسمعون خطابه لأول مرة سينبهرون بإصراره التقليدي على رأب الصدع. وسيكون من الصعب تجاهل رسالته مع دخول «نيوسوم» عامه الأخير كحاكم قبل أن يصبح مرشحاً رئاسياً متفرغاً. لقد أظهر قدرةً على جذب الانتباه الوطني من خلال قلب الطاولة على ترامب. فقد أثبت دعمه لمبادرة اقتراع تُعيد رسم الدوائر الانتخابية لصالح «الديمقراطيين» في نوفمبر فعاليته في مواجهة جهود ترامب لإعادة التقسيم.
وقد أثار «نيوسوم» غضب ترامب بتقليده لأسلوب الرئيس في التوبيخ عبر الإنترنت. حتى قبل انتهاء ولايته، أضفى «نيوسوم» على نفسه طابعاً رئاسياً دولياً، إذ ظهر في محادثات تغير المناخ في البرازيل في نوفمبر، وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير.
ومن المقرر أن يصدر مذكراته «شاب في عجلة من أمره» في 24 فبراير. وسواءً أكانت هذه الرواية عن حياته قبل توليه منصب الحاكم ترقى إلى مستوى كتاب باراك أوباما «أحلام من أبي» أم لا، فإن نشرها سيمنح «نيوسوم» فرصةً للقيام بجولة ترويجية للكتاب. كما أنه مطلوب بشدة من قبل المرشحين «الديمقراطيين» في انتخابات التجديد النصفي.لا شك أن الحملة الرئاسية تحتاج إلى تبني موقف معين، بدلاً من مجرد معارضة شيء ما. والخبر السار لنيوسوم هو أن لديه متسعاً من الوقت لتحديد هذا الموقف.
*صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


