برعاية إماراتية كريمة، انتظم في نواكشوط عاصمة موريتانيا المنتدى السادس للسلم في أفريقيا تحت رئاسة معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي» ورئيس منتدى أبوظبي للسلم، بحضور جمع غفير من رجال الفكر والعلم والسياسة من مختلف دول القارة بالإضافة إلى شخصيات وازنة من المهتمين بالشؤون الأفريقية في العالم.
ولقد اختار المؤتمر لدورته الحالية موضوع «صناعة الأمل في أفريقيا»، مع إبراز قيمة الرجاء وعدم اليأس من رحمة الله.
في كلمته التأطيرية العميقة، توقف العلامة بن بيه عند رهانات الفتنة والعنف الراديكالي في الساحة الأفريقية، مبيناً أن الخيار المطروح هو نبذ اليأس والتشاؤم والعمل على تغيير الأوضاع بمنطق الفعل والإرادة والمسؤولية الملتزمة.
ولا شك أن مفهوم «الأمل» مقولة محورية راهنة تحتاج إلى الاستكناه والاستكشاف، وهي من المصطلحات القرآنية العميقة التي يحتاج العقل المسلم إلى تدبرها وتنزيلها في الواقع.
هذه المقولة تنتمي إلى سياق دلالي واسع من مرتكزاته قيم الرحمة والأمانة والعمل التي هي قيم مركزية في النسق التداولي الإسلامي.
ما تعنيه مقولة الأمل من المنظور الفلسفي هو إعادة تصور الوجود خارج القوالب الأنطولوجية الجامدة، باعتبار أن الوضع الإنساني ليس مغلقاً محتوماً، بل هو أفق مفتوح للفعل والتغيير، ذلك ما عناه الفيلسوف الهندي محمد إقبال بحديثه عن «ميتافيزيقا الحركة» في التقليد الإسلامي الوسيط مقابل ميتافيزيقا الثبات والتشابه في الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، وعن ذاتية التحول والكمال مقابل ذاتية الوعي في الفكر الغربي الحديث.
لقد عني الفيلسوف الألماني «أرنست بلوخ» بمقولة الأمل في كتابه «مبدأ الأمل» الصادر في خمسينيات القرن الماضي، مبيناً أن الإنسان لا يحدد بطبيعته الثابتة، بل بالمدى الذي يتطلع ويسعى إليه في المستقبل (ما لم يحدث حسب عبارته).
وهكذا يميز بلوخ بين نوعين من الطوبائية تقوم إحداهما على الوهم والتخيل، وتقوم الأخرى على الاستباق الواقعي والغاية الممكنة. الطوبائية بالمعنى الثاني هي قوة دافعة للفعل، وحلم قابل للتحقق، ومن هنا ضرورة الحفاظ عليها مجالاً مفتوحاً للفعل والممارسة.
بتنزيل هذه الأفكار الفلسفية على الواقع الأفريقي، نرى أن استراتيجيات التغيير لدى نخب القارة تعاني حالياً من خللين رئيسيين هما:
- سيادة خطاب الكونية المفروضة الذي تسعى المؤسسات الدولية إلى تمريره باسم التنمية الموضوعية والحداثة التقنية والمؤسسية، مع العلم أن جوهر هذا الخطاب يقوم على تمرير تجربة ناجحة في العالم الأوروبي الغربي إلى الساحة الأفريقية دون التعامل الواقعي مع طبيعة وخصوصيات هذه الساحة. لقد أطلق بعض الباحثين على نموذج المثقف الأفريقي الوكيل للمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية عبارة «المثقف المقاول»، الذي يكتفي في رؤيته التغييرية بالإجراءات والوصفات الجاهزة التي تسعى تلك المؤسسات إلى فرضها بالضغط والإكراه.
- اللجوء إلى سردية «الهوية الخصوصية» والنزعة السيادية الراديكالية لتبرير القطيعة مع المركز الغربي المهيمن، بحثاً عن استراتيجيات تنمية وتحديث مستقلة، ولو كان الثمن هو سيطرة الأنظمة العسكرية الانقلابية التي هي مظهر من مظاهر الأزمة وليس مسلكا للخروج منها.
لقد أدت الاستراتيجية الأولى إلى فشل السياسات التنموية، وبالتالي شيوع اليأس والضياع لدى النخب الأفريقية، إلى حد أن الباحثة الكاميرونية «أكسل كابو» كتبت كتاباً مثيراً بعنوان «ماذا لو كانت أفريقيا ترفض التنمية؟» ذهبت فيه إلى أن أسباب التخلف والفقر في القارة لها أسباب ثقافية ومجتمعية جوهرية تعوق دون أي إمكانية موضوعية للتحديث والبناء السياسي والاجتماعي الناجع. ومن ثم اعتبرت كابو أن الحالة الأفريقية ميؤوس منها، ولا سبيل لتأسيس دولة وطنية مدنية مستقرة في القارة، ولا وضع سياسات تنموية فعالة فيها.
أما الاستراتيجية الثانية، فلا تبدو قادرة على إخراج البلدان الأفريقية من مأزقها التنموي والسياسي، باعتبار أن خطاب الهوية والخصوصية المغلقة لا يؤدي إلى نتائج عملية، بل مآله هو التشرذم والعنف والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
في مؤتمر نواكشوط، نوه العديد من الشخصيات الأفريقية الحاضرة بالدور الإماراتي الفاعل في القارة، الذي حول الإمارات إلى المستثمر الأول في أفريقيا، مقدمة مختلف أوجه الدعم الاقتصادي والإنساني للبلدان الأفريقية، وفق منطق الشراكة الندية واحترام استقلالية وسيادة الدول.
إن هذا الدور الفعال هو مظهر أساسي من مظاهر صناعة الأمل في أفريقيا، التي هي شعار المرحلة وأفق التغيير المنشود في القارة.
*أكاديمي موريتاني


