لم تُسلِّط الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى ماليزيا هذا الشهر الضوء على أهمية العلاقات الثنائية فحسب، بل أكدت أيضاً على تقارب الهند مع دول جنوب شرق آسيا. وخلال محادثاته مع نظيره الهندي، أكد رئيس الوزراء الماليزي «أنور إبراهيم» أن العلاقات بين الهند وماليزيا تقوم على الثقة والصداقة الراسخة، لا على الدبلوماسية الروتينية.
وإلى جانب القضايا الثنائية، تركّزت المناقشات أيضاً على قضايا دولية وإقليمية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والنزاعات في الشرق الأوسط، ولا سيما في غزة. كما أعلنت الهند عن خططها لافتتاح قنصلية جديدة في ولاية «صباح» شرق ماليزيا. وأكد رئيس الوزراء أنور إبراهيم، على وجه الخصوص، على النهضة الاقتصادية للهند، مشيراً إلى أن هذا البلد الواقع في جنوب آسيا «يشهد نمواً متسارعاً، وهو ما يمثّل قفزة نوعية في المشهد التجاري والاقتصادي الدولي». وشهد الجانبان أيضاً تبادل نحو 12 مذكرة تفاهم في مجالات متنوعة، من التعليم والتدريب التقني والمهني، وأشباه الموصلات، والتعاون الرقمي، ومكافحة الفساد، وصولاً إلى التعاون الأمني. وكان من أبرز نتائج الزيارة تبادل الملاحظات حول التعاون في مجال أشباه الموصلات.
تعمل الهند حالياً على بناء صناعة أشباه الموصلات من الصفر، من خلال الدخول في شراكات مع دول مثل ماليزيا التي تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال الحيوي. وتساهم ماليزيا بنحو 13-15% من سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات. وبموجب الاتفاق الموقّع بين الجانبين، سيتم تسهيل البحث المشترك، وتطوير القوى العاملة، ونقل التكنولوجيا، بما يجمع بين الخبرة الصناعية الماليزية وقدرات التصميم الهندية وحجم السوق الهندي الكبير.
إضافةً إلى ذلك، وقّع الجانبان اتفاقية بشأن التعليم والتدريب المهني، تهدف إلى تسهيل تنقل العمالة الماهرة، وتلبية احتياجات التدريب في قطاعي أشباه الموصلات والقطاع الرقمي. وتهدف هذه الخطوة إلى توحيد معايير مهارات العمال.
ومن الاتفاقيات الرئيسية أيضاً، الاتفاق بين الشركة الوطنية للمدفوعات في الهند (ذراع المدفوعات الدولية) وشركة «باي نت» الماليزية لإنشاء روابط دفع رقمية ثنائية. ويهدف هذا التعاون إلى تسهيل التحويلات المالية منخفضة التكلفة وحلول الدفع للسياح والطلاب والشركات الصغيرة، عبر أنظمة الدفع المعتمدة على رموز الاستجابة السريعة مثل «يو بي آي» و«دويت ناو».
وأكد الجانبان كذلك على الروابط الثقافية بينهما، حيث تحدّثا عن «الحب المشترك للغة التاميلية» الذي يجمع البلدين. وخلال الزيارة، شدّد مودي ليس فقط على العلاقات السياسية والاقتصادية، بل أيضاً على الروابط الثقافية العميقة بين الشعبين. وفي فعالية للجالية الهندية، أشار إلى أن ماليزيا تضم ثاني أكبر جالية من أصول هندية في العالم، كما أكد أهمية اللغة التاميلية، قائلاً إن «اللغة التاميلية هي صلة الهند بالعالم». وأوضح أن الحضور القوي للهنود من أصول تاميلية في مجالات التعليم والإعلام والحياة الثقافية في ماليزيا يعكس عمق الروابط الشعبية بين البلدين.
وفي القطاع الأمني، أعلن الجانبان عن قرار بتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن البحري. كما هيمنت القضايا الإقليمية على المحادثات، ولا سيما المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية التجارة بين رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والهند. وقد تم توقيع هذه الاتفاقية التجارية عام 2009 ودخلت حيز التنفيذ عام 2010 بين الهند والدول العشر الأعضاء في آسيان: إندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، والفلبين، وسنغافورة، وبروناي، وفيتنام، ولاوس، وميانمار، وكمبوديا. غير أن الهند تسعى الآن إلى مراجعة هذه الاتفاقية لفتح المزيد من منافذ التعريفة الجمركية لصالحها وتعزيز صادراتها. وترى نيودلهي أن اتفاقية التجارة الحرة الحالية تُفيد دول آسيان أكثر من الهند. وقد سارت المفاوضات ببطء، ولكن هناك مساعٍ لتسريع وتيرتها، على الرغم من توقيع الهند سلسلة من الاتفاقيات مع دول أخرى.
ورغم ذلك، حملت زيارة مودي، التي تُعَدّ الأولى له إلى ماليزيا، إشارات أوسع. إذ تسعى الهند إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع عدد من الدول، تحسباً لتقلبات السياسات الأميركية، التي تتراوح بين الرسوم الجمركية المتبادلة وتغير الأولويات الجيوسياسية. وقد أكد قرار زيارة ماليزيا على الأهمية التي توليها الهند لماليزيا وجنوب شرق آسيا، وهي منطقة لا تزال ذات أهمية بالغة في حساباتها الاقتصادية والسياسية. وكان مودي قد وعد رئيس الوزراء الماليزي بزيارة ثنائية إلى كوالالمبور بعد تعذُّر حضوره قمة الهند-آسيان في أكتوبر من العام الماضي، حيث ألقى حينها كلمة افتراضية.
وبالنسبة لمودي، تحمل الزيارة رسالة مفادها أنه بينما تُعمِّق الهند علاقاتها مع الغرب، تظل آسيا ذات أهمية محورية لا تقل عن ذلك. وجاءت الزيارة بعد أن أبرمت الهند مؤخراً اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي وُصفت بأنها «أمُّ الصفقات»، في وقت لا تزال فيه جهود مراجعة اتفاقية تجارة السلع بين الهند وآسيان تواجه تأخيرات. ومع ذلك، أكدت الزيارة أن حكومة مودي تُولي أهمية متساوية لسياسة «التوجه شرقاً». 


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي