بعض مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي لسان حالها لا يسر، لقد خرجت بعض هذه المنصات في هذا الشهر الكريم عن طورها بالقول الأثيم من دون مراعاة لمكانة هذا الضيف العظيم. إن الفتنة ليست حرباً تُرى بالسيوف، بل هي نارٌ تشعلها الألسن وتغذيها القلوب المريضة، حين يضعف العقل ويغيب الصبر، تولد الفتنة، وتجد أرضاً خصبة لتنتشر. قال القدماء: الفتنة لديها قدرة تفوق كل قدرات البشر، الفتنة تولِّد الفوضى، والفوضى لا دواء لها كنار جهنم تأكل بلا هوادة وتمحو حضارات وأبنية. للقدماء إلهة للفوضى تدعى سِتْ، أتعرف لماذا؟ لأنها كالخير قوية مؤثرة، ولكن الخير لونه شفاف كلون الهواء، بينما الفتنة زاهية كالياقوت الأحمر.
للفتنة مرونة وحِدَّة معاً، تتسلّل إلى العروق حتى وإنْ لم تصل إلى الأطراف. أما القديم الأزلي سبحانه، فقد وصف في كتابه الكريم بأن «الفتنة أشد من القتل..» لأن القتل ينهي حياة الفرد، أما الفتنة فإنها تسبب في قتل مجتمعات بأكملها وتودي بجوهر أخلاقها! هذا حال جزء مما يتداول في «السوشيال ميديا» من محتوى، يقول المولى جل في علاه «لا يحب الله الجهر بالسوء من القول..»، ومن صفات بيئة الجنة «لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيماً».. (الواقعة الآية 25) وهذا الخلق الكريم ليس حصرياً هناك، بل المطلوب منّا ممارسته بيننا في الدنيا قبل الآخرة.
إن بعض محتوى مواقع التواصل الاجتماعي يندى له الجبين، بل يستحي الإنسان أن يتلفظ به فضلاً عن اتهام الآخرين في أعراضهم، دون مراعاة حرمة هذا الشهر العظيم، ولا مراعاة لكرامة الإنسان التي تعتبر إهانتها جريمة يحاسب عليها القانون! ماذا يقول المولى سبحانه في حال هذا البعض عندما يحين وقت الحساب في سورة المدثر (الآية 42 - 47) تُصور حواراً في الآخرة يسأل فيه أهل الجنة أهل النار عن سبب دخولهم «سقر»، فيجيبون بأربعة أسباب رئيسية: ترك الصلاة، عدم إطعام المساكين، الخوض في الباطل، والتكذيب بيوم الدين.
ما يهمنا هنا هو في جواب «ما سلككم في سقر؟! «يعني» جهنم، يكمن في الإجابة «وكنا نخوض مع الخائضين».. أي المشاركة في مجالس الباطل، والجدال بغير حق، وقول الزور. الآن من أدمن هذا السلوك حتى يأتيه اليقين، لا يحتاج إلى أن يتنقل بين المجالس، حيث يجد في موقعه الإلكتروني مجلساً لا ينقطع سوؤه على مدار الساعة. وقد أحسنا الظن بهم بأنه سيتم الإعلان عن إغلاق هذا «المجلس» نزولاً عند منزلة رمضان، ولكن هيهات هيهات لما يوعدون؟!
نقول لهذه الفئة من الناس: اتبعوا قول أحد القدماء إذا ضاقت بكم سبل الشرائع السماوية والقوانين البشرية و«سنع الآباء والأجداد» قال القدماء: اشرب من حيث تشرب الخيول، فالحصان لن يشرب الماء الفاسد أبداً. أو اعتبروا بقول أحد الشعراء:
وحاسب النفس لا تغفل مسالكها.. تجد حسابك يوم الحشر قد هانا..
فإن رأيت إلى الإحسان وجهتها.. حمدت ربك إن أولاك إحسانا..
وإن تجدها إلى العصيان جانحة.. سألت مولاك غفرانا لما كانا..
ولا تكن ظالما للخلق محزنهم.. بل كن لهم راحماً عوناً وسلوانا..
ولا تكن غافلاً عما خلقت له.. ووحد الله كي تزداد إيماناً..
*كاتب إماراتي


