على الرغم من أن محادثات بعثة صندوق النقد الدولي التي استمرت ثلاثة أيام في وزارة المالية اللبنانية، شهدت تقدماً ملحوظاً على مستوى تقريب وجهات النظر، غير أن هذا التقدم لم يسمح بتمكين لبنان من توقيع اتفاق مبدئي على برنامج المساعدة، حيث لا تزال هناك اختلافات في وجهات النظر حول بعض مواد قانون الانتظام المالي وحل مشكلة «الفجوة المالية»، وكذلك قانون معالجة أوضاع المصارف، وما يرتبط بهما، خصوصاً لجهة توزيع الخسائر، وكيفية تقدير حجم السيولة التي يمكن تأمينها على المدى القصير، لتسديد الودائع الصغيرة، فضلاً عن آليات احتساب التزامات الدولة في إعادة رسملة البنك المركزي.
وتبرز أهمية توقيع الاتفاق المبدئي، أنه يسمح بتحديد شروط معينة لتمكين لبنان من توقيع اتفاق نهائي مع الصندوق بمجرد تحقيق هذه الشروط، غير أن بعثة الصندوق تريد أولاً تذليل الخلافات المتبقية حول بعض الملفات قبل توقيع الاتفاق المبدئي وتحديد الشروط، كي لا يتكرر سيناريو العام 2022، حين تم الاستعجال في توقيع اتفاق كهذا من دون تنفيذ شروطه لاحقاً. وهكذا تأتي جولة البعثة الحالية لتحقيق هذا الهدف بالتحديد. وكنتيجة طبيعية لعدم الاتفاق حول عدد من الشروط المطلوبة تقرر تأجيل المباحثات إلى أواخر أبريل المقبل، مع انعقاد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.
وتسعى وزارة المالية اللبنانية إلى تحقيق شرطين من شروط الصندوق، الأول: إقرار تعديلات قانون إصلاح أوضاع المصارف مع الإشارة إلى أنّ مجلس النواب اللبناني سبق أن صادق على هذا القانون في أواخر يوليو الماضي، إلا أنّ صندوق النقد أبدى ملاحظات عدة، أهمها تلك التي تطال تركيبة الهيئة المصرفيّة العليا وآليات الطعن بقراراتها. ولهذا السبب، اضطرّت الحكومة لإعداد مشروع قانون جديد لتعديل هذا القانون.
أما الشرط الثاني، فهو إقرار الإطار المالي متوسّط الأجل، وهو خطة لخمس سنوات يفترض أن تحدّد الإيرادات والنفقات المتوقّعة، بما يشكّل قاعدة يمكن الاستناد إليها عند إعداد موازنات السنوات المقبلة. وستمثّل هذه الخطّة حجر الزاوية الذي ستستند إليه الدولة اللبنانيّة، عند التفاوض مع حملة السندات على إعادة هيكلة الديون السياديّة.
ولكن إقرار هاتين الخطوتين، لا يعني تمكين لبنان من الاستفادة من تمويل الصندوق، كما لن يفتح الطريق بشكلٍ حتمي أمام اتفاق نهائي معه، لأن الاتفاق المبدئي سينص على مجموعة من الشروط التي يفترض أن تحققها السلطات اللبنانيّة، لتتمكّن من العبور إلى الاتّفاق النهائي.
واللافت في هذا السياق أن بعثة الصندوق أشارت إلى أنها لا تمانع من التصرف بالذهب لتسديد الودائع، مع ضرورة تقييم جدي لقيمته، وفق أسعار متوسط السنتين الأخيرتين، وليس وفق سعره اليوم البالغ نحو خمسة آلاف دولار للأونصة، لكن وزير المالية ياسين جابر أوضح «أن الذهب ليس ملكاً للحكومة، بل هو ملك لمصرف لبنان، وهناك قانون يمنع المس به، لا بيعاً ولا رهناً أو تأجيراً مع العلم أنه على رغم تحويل الديون المتوجبة على الدولة كخسائر لدى مصرف لبنان، فإن أرباحه من موجوداته «الذهبية»، تمكنه من المساهمة في تخفيض حجم الخسائر.
..
كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.


