بين لحظة وأخرى، تحول الخليج من هامش الصراع إلى أحد ميادينه الرئيسية، لا لأن دوله قررت دخول الحرب، بل لأن الحرب دخلت إليه واستهدفت بنيته التحتية ومسارات طاقته ومطاراته وموانئه، وكان استهداف مصالح الدول الأخرى فيه أهدافاً ثانوية مقابل محاولة نشر الرعب وتدمير المنشآت والمرافق الوطنية. في هذه الأيام، من المهم للغاية عدم التفكير خارج إطار الوحدة الخليجية التي تختبر أيما اختبار تحت الصواريخ والمسيرات الإيرانية.

فهل سيبقى مجلس التعاون الخليجي مجرد اسم وأقرب لإدارة للتنسيق في مؤسسة محلية، أم يتحول المجلس إلى آلية ردع تحمي السيادة، وتمنع الانزلاق نحو هاوية الأمن المنفرد؟ الإجابة لا تُستقى من التحليلات وحدها، بل من صياغة المواقف الرسمية نفسها، ومن القرارات التي تتخذ تحت ضغط الزناد.

ضبط النفس والتسلسل في الإجراءات من الدبلوماسية إلى السياسية إلى الرد الفعلي، بعيداً عن إدانة المعتدي بأشد العبارات والتنديد بالاعتداءات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت أراضي الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية، ناهيك عن الأردن، وهي امتداد جغرافي حيوي لمجلس التعاون الخليجي، والاعتداء عليها يمس السيادة الخليجية والعربية. فهل حان وقت الاصطفاف العربي والوحدة العربية ضد انتهاك صارخ لسيادة الأمة العربية؟

وإنْ لم تقف الأمة العربية اليوم صفاً واحداً فما الجدوى من جامعة الدول العربية والمؤتمرات والاجتماعات العربية؟ وكيف يُلام الخليج العربي بعد ذلك وهو الذي وقف ضد الاعتداء على كبرى الدول العربية، ودافع عن أراضيها في الميادين، فمن يتذكر اليوم تلك المواقف المشرفة ولا ينأى بنفسه بعيداً عن قلب الأزمة كمتفرج سلبي على الأحداث!

ما يجري اليوم في الأراضي الخليجية هو ما سيحدد مستقبل التضامن العربي والإسلامي، بعد أن تعرض الخليج العربي، ومن ضمنه المملكة العربية السعودية، وهي قبلة المسلمين، لاعتداءات جبانة. وللأسف يلحظ المتابع بروزاً لتعليقات مغرضة تشيد بما فعله المعتدون، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي من بعض الجنسيات العربية والمسلمة، والذي يجب أن يكون هو الخط الفاصل لمعرفة من يقف مع الخليج العربي، ومن يقف ضده أثناء الأزمات، بعيداً عن العاطفة.

اتخذت دول الخليج العربية المستهدفة إجراءاتٍ دفاعية استثنائية، مع التشديد على الحق في الرد والدفاع وفق ميثاق الأمم المتحدة. هذه ليست جملة إنشائية، إنها تحويل رسمي لمفهوم الأمن الجماعي إلى لغة قابلة للتفعيل، مع إشارة قانونية متعمدة إلى مرجعية شرعية الدفاع، وهو ما ذكرته صراحة بعض القيادات الخليجية التي ترفض مبدأ انتهاك حق الجوار والاعتداء المسلح بين الدول الجارة. لكن الوحدة في زمن الحرب ليست فقط موقفاً ضد مصدر الاعتداءات، بل هي أيضاً محاولة لإغلاق الفجوات التي قد تتحول إلى ثغرات صراع؛ لذلك جاء التحذير الخليجي من العواقب الوخيمة للتصعيد، والدعوة إلى وقف أي إجراءات تصعيدية تهدد استقرار المنطقة. هنا يبرز توازن دقيق: ردع تحذيري جاد يرفع كلفة الاعتداء، ودبلوماسية تحاول منع تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

في الإمارات اتخذت السياسة الرسمية منحى أكثر صرامة، لا في اتجاه الحرب، بل في اتجاه خفض المخاطر بإعلان إغلاق سفارتها في طهران وسحب السفير والبعثة الدبلوماسية، ومن المتوقع أن تقوم باقي الدول الخليجية بذلك وأيضاً الدول التي تتضامن مع الموقف الخليجي.

الخطوة تحمل رسالة مزدوجة: توسيع هامش الرد السياسي دون الانجرار إلى رد عسكري مباشر، ورفع مستوى التحذير الاستراتيجي من أن الاستهداف تجاوز كل الخطوط الحمراء وإن كانت لغة البيانات الخليجية مهمة؛ فذلك لأنها تمثل تاريخياً قناة تهدئة ووساطة، واستهدافها يعني أن مساحة التهدئة نفسها أصبحت تحت النار.

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات