الاعتداء الإيراني بالصواريخ والمسيّرات مسّ سيادة الإمارات مباشرة. ومنذ الساعات الأولى برز الفارق بين دولة تمتلك الجاهزية وتعرف كيف تدير الخطر، وبين من يراهن على الإرباك. الإمارات تعاملت مع الحدث بوصفها دولة جاهزة، لا دولة تفاجئها الأزمات. وهذا ما ظهر سريعاً في كفاءة القوات المسلحة، وفي انتظام عمل المؤسسات، وفي استمرار الحياة العامة بثبات وطمأنينة.
الجاهزية لم تتجسد فقط في نجاح الدفاعات الجوية، بل في أن هذا الأداء كشف وجود منظومة دفاعية متكاملة بُنيت لمواجهة هذا النوع من التهديدات بكفاءة واستمرارية. وما أكدته وزارة الخارجية في ردها على تقرير غير دقيق لوكالة بلومبيرغ، يبين أن الإمارات تستند إلى بنية دفاعية متعددة الطبقات، مدعومة بمخزون استراتيجي وقدرة عملياتية مستمرة. وهذه نقطة أساسية في فهم كيف تُدار السيادة في دولة قرأت مبكراً طبيعة المخاطر التي تعيشها المنطقة، واستعدت لها بجدية.
الجاهزية الإماراتية لم تكن عسكرية فقط. في مثل هذه اللحظات يظهر تماسك الدولة كلها، لا السلاح وحده. وهنا برز معنى الدولة المؤسسية، أجهزة مختصة تتحرك وفق أدوار واضحة، وخطط جاهزة للتعامل مع الطوارئ، وتواصل رسمي حافظ على الشفافية والهدوء، وخدمات أساسية استمرت، فيما بقيت سلامة المواطنين والمقيمين والزوار في صدارة الأولويات. هذا الأداء لا يأتي من رد فعل متأخر، بل من تخطيط سابق وتمرين مستمر، وفهم بأن إدارة الأزمات تبدأ قبل وقوعها لا بعد اتساعها.
ما جرى أكد قيمة الثقة الداخلية. في أوقات كهذه، لا تكفي القدرات الدفاعية المتقدمة من دون ثقة راسخة بين الدولة والمجتمع. ردود الفعل داخل الإمارات أظهرت وعياً لافتاً، واطمئناناً يستند إلى معرفة حقيقية بكفاءة المؤسسات، لا إلى إنكار الخطر أو التقليل منه. وهذا بحد ذاته جزء من عناصر القوة الوطنية، لأن الحرب النفسية تراهن دائماً على كسر الإيقاع الداخلي، بينما ما حدث في الإمارات كان العكس تماماً. الدولة واصلت عملها، والمجتمع تعامل بمسؤولية، والمعلومة الرسمية بقيت هي المرجع.
النهج الإماراتي كان واضحاً منذ البداية، خفض التصعيد وتفادي الحرب، من دون أي تهاون في حماية السيادة وأمن الدولة. الإمارات لم تتصرف كطرف يبحث عن توسيع المواجهة، لكنها لم تتعامل مع الاعتداء على أراضيها كأمر يمكن المرور عليه. وهنا تتجلى المقاربة الإماراتية كما هي دائماً، ضبط نفس وحزم في آن واحد. لا اندفاع في الخطاب، ولا تردد في حماية الأمن الوطني. وإذا استمر هذا المسار العدواني، فلن يبقى التعامل معه عند حدود الدفاع السلبي القائم على الاحتواء والاعتراض.
الاتصالات التي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، من قادة العالم، حملت دلالة سياسية تتجاوز التضامن المعتاد. فهي أكدت مكانة الإمارات في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأظهرت أن أمنها لم يعد شأناً محلياً فقط، بل جزءاً من توازن أوسع يرتبط بأمن المنطقة وسلامة الممرات الحيوية واستقرار الاقتصاد الدولي. والدولة التي بنت هذا الرصيد من الثقة الخارجية، وحافظت في الوقت نفسه على جاهزية مؤسساتها في الداخل، تثبت أن قوتها لا تتعلق فقط بقدرتها على الرد، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان وضمان استمرار الحياة في أصعب الظروف.
الإمارات حين تثبت الجاهزية لا تفعل ذلك بالشعار، بل بالفعل. هذا ما أكدته القوات المسلحة، وبرهنت عليه مؤسسات الدولة، وعكسه وعي المجتمع وثقة العالم. وفي منطقة تتسارع فيها المخاطر، يبقى الفرق واضحاً بين من تفرض عليه الأزمات إيقاعها، وبين دولة تستعد لها، تحتويها، وتحمي سيادتها واستقرارها بثقة وكفاءة ومسؤولية.
*كاتب إماراتي


