يتزامن مع الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية عدوان جوي غاشم على دولة الإمارات من جارتها إيران. اعتداء بالأرقام والوثائق يعد الأكبر في التاريخ المعاصر. وكان الاعتداء منصباً على دولة الإمارات العربية المتحدة في أحد أكبر اختبارات الدفاع الجوي في العقود الأخيرة، حيث خصصت إيران النصيب الأكبر من اعتداءاتها على البنى التحتية الإماراتية والمناطق المدنية والمطارات والموانئ ومنشآت الطاقة ومرافقها.
هذه العمليات العدوانية لم تكن انتقاماً من الجانب الأميركي بمهاجمة القواعد العسكرية والمصالح الأميركية في الخليج العربي، بل شنت حرباً على دولة جارة، ويجب ألا تنسى الإمارات ذلك أبداً، ولا تنسى من تواطأ مع إيران لإيقاع أكبر ضرر ممكن بالدولة، لينتقل الأمر من الغيرة الاستراتيجية إلى محاولة الإقصاء الاستراتيجي، كي لا تكون الإمارات اللاعب الأكثر تأثيراً في المشهد الإقليمي، والبلد الأبرز في المنطقة في السباق نحو العالمية، وإن كان السباق قد تركته الإمارات خلفها لغيرها لكي يصل بعد أن وضعت بصمتها على الموقف الجيواستراتيجي في العالم، لتفرض على العالم إعادة صياغة مفهوم القوى الكبرى إلى قوى كبرى بالمفاهيم والتقديرات التقليدية. وقوى كبرى بالتأثير والتواجد المؤثر في قلب صناعة العالم الجديد.
فقد تعاملت قواتنا المسلحة الباسلة ممثلة بالدفاع الجوي والطيران الحربي، والتنظيمات الأخرى في القوات المسلحة باحترافية منقطعة النظير في التعامل مع مزيج من ثلاثة أنواع مختلفة من التهديدات في وقت واحد، وهو يعد من أصعب السيناريوهات عسكرياً: الصواريخ الباليستية السريعة جداً (قد تتجاوز 5 ماخ)، وصواريخ الكروز تحلق على ارتفاعات منخفضة وتتفادى الرادارات، والطائرات المسيّرة صغيرة وبطيئة وكثيفة العدد، ومعالجة التهديدات الثلاثة إلى جانب التشويش والهجمات الإلكترونية في نفس العمليات الدفاعية، يعد اختباراً حقيقياً لأي منظومة دفاع جوي في العالم، وبالمقارنة مع كل العمليات العسكرية الجوية تعد هذه الاعتداءات هي الأكبر جوياً في تاريخ الشرق الأوسط ، ومع محاولات فتح الثغرات المتكررة وتكثيف الهجمات وتنويعها، استطاعت الإمارات بصمت أن تثبت للعالم مجدداً أن صغر حجمها كدولة لم ولن يكون عائقاً لتأكيد للعالم أنها أمة محترفة تؤمن بالعمل الجاد، وتترك لغيرها التصريحات والتهديد والوعيد.
تطور القوات المسلحة الإماراتية لم يأتِ من فراغ، ويقف خلفه العقل المدبر لنهضة القوات المسلحة الإماراتية ورجل سبق زمانه برؤيته والاستعداد لمثل هذه الظروف، رجل كان يراهن دوماً على أن القوات المسلحة الإماراتية خيل سباق أصيل لا يخسر الرهان أبداً، وتلك العقلية الفذّة التي تقف خلف المعجزة هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والذي عمل منذ أن كان قائداً للقوات الجوية والدفاع الجوي على رؤية وأهداف واضحة. ولا غرابة اليوم أن تملك الدولة قدرة دفاع جوي متعدد الطبقات تعد من بين الأفضل في العالم، وهو ما أكدته الإمارات بعد التصدي الناجح للاعتداءات الإيرانية بأسلحة متنوعة في وقت واحد، وهي اعتداءات هدفها إرباك الدفاعات، وبدون شك كان ذلك اختباراً حقيقياً للعقيدة الدفاعية الحديثة لدولة الإمارات، والانتقال من قوة نظرية إلى قوة مجربة قتالياً تحت أسوأ الظروف، مما يجعلها تمتلك أحد أكثر أنظمة الدفاع الجوي تكاملاً في الشرق الأوسط، وتقدم حالة دراسية عسكرية مهمة عالمياً في مواجهة الهجمات المركبة وجاهزيتها لمتغيرات طبيعة الحروب الحديثة.
كما يضع التفوق في إدارة الاشتباك مع أهداف كثيرة الدولة في مصاف الدول التي تعد على أصابع اليد الواحدة فيما يتعلق باختبار دفاعاتها الجوية ضد أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في ظروف حقيقية، وهنا تحديداً ظهرت المفاجأة التي تحدث عنها كثير من الخبراء العسكريين.
فالإمارات، وهي دولة حديثة نسبياً في تاريخ بناء الجيوش مقارنة بالقوى العسكرية التقليدية، تمكنت من بناء منظومة دفاع جوي قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات المركبة، والأهم من ذلك، إن هذه المنظومة لم تبق في إطار الاختبارات أو المناورات العسكرية، بل خضعت لمواجهات ميدانية استثنائية.
وتاريخياً، كانت كثير من أنظمة الدفاع الجوي تقيم بناءً على قدرتها النظرية أو نتائج تجاربها في الميادين التدريبية، ولكن التجربة القتالية الفعلية تبقى المعيار الأكثر صرامة، ولهذا السبب يولي العسكريون حول العالم أهمية كبيرةً لما يسمى «Combat Proven»، أي الأنظمة التي أثبتت فعاليتها في القتال الحقيقي. وفي هذا السياق، فإن التجربة الإماراتية تضيف فصلاً مهماً إلى سجل الدفاع الجوي الحديث، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن ما حدث يمثل أكثر من مجرد نجاح تكتيكي في اعتراض هجمات جوية.
إنه مؤشر على تحول أعمق في كيفية بناء منظومات الدفاع الجوي في القرن الحادي والعشرين، فالدول التي تستطيع حماية مجالها الجوي من هجمات مركبة تشمل صواريخ باليستية وكروز ومسيّرات في وقت واحد ستكون في موقع متقدم في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، لتثبت الإمارات أن الاستثمار الطويل في التكنولوجيا والنظم العسكرية والتصنيع العسكري النوعي، والتكامل بين الأنظمة الدفاعية يمكن أن ينتج منظومة قادرة على مواجهة التحديات الأكثر تعقيداً في الحروب الحديثة، ويثبت رئيس دولتها أنه يرى ما لا يراه الآخرون.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


