الاعتداءات الإيرانية على مدن الخليج وبناه التحتية غيّرت طبيعة المشهد الأمني. ولم يعُد الخليج أمام ارتدادات حرب تدور من حوله، بل أمام استهداف مباشر فرض فهماً أوسع للأمن، لا يقتصر على كفاءة التصدي للصواريخ والمسيّرات، بل يشمل حماية المدن والمنشآت والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي.
الخليج لم يطلب هذه الحرب، ولم يكن شريكاً في إشعالها، بل سعى إلى تجنيب المنطقة انفجاراً واسعاً، ودفع نحو التهدئة وخفض التصعيد. لكن إيران اختارت توسيع دائرة المواجهة، ووجهت ضرباتها إلى دول الخليج، مستهدفة المدن والمنشآت والمدنيين، في سلوك عشوائي ومتهور لا يمكن تبريره. المسألة لم تعُد مجرد تصعيد عسكري، بل انهيار سياسي كامل لما سُمي سابقاً دبلوماسية الجوار. من يستهدف جيرانه لا يمكنه أن يطلب لاحقاً ثقة أو تفاهمات أو عودة إلى ما قبل الهجوم.
وهنا تسقط السردية الإيرانية التي زعمت أن الهجمات كانت موجهة إلى القواعد الأميركية فقط. الوقائع قالت غير ذلك. الاستهداف طال المدن والمنشآت والاقتصاد في دول الخليج، بهدف رفع كُلفة الحرب والضغط على الاستقرار الداخلي، لا إصابة أهداف عسكرية كما زعمت طهران. لذلك لم يكن ما جرى مجرد انعكاس جانبي للحرب، بل استهدافاً مباشراً للخليج.
قرار مجلس الأمن رقم 2817 عكس نجاح التحرك الدبلوماسي الخليجي في تثبيت القضية دولياً. فالقرار، الذي قُدِّم من البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، تعامل مع ما جرى بوصفه اعتداءات على سيادة دول مستقلة، وأكد حقها في الدفاع عن نفسها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وهذه ليست فقط مظلة قانونية، بل إدانة سياسية ضيّقت مساحة الإنكار الإيراني، وكرّست أن استهداف الخليج أصبح قضية قائمة بذاتها. وإيران لم تحصد من التصعيد إلا مزيداً من العزلة.
هذا كله أبرز الفارق بين منطق الدولة ومنطق المغامرة. دول الخليج تعاملت مع ما جرى بوصفه اختباراً للأمن الوطني والاقتصاد والاستقرار. والردع هنا يعني حماية المنشآت الحيوية، واستمرار الخدمات، وتحريك الأدوات السياسية والدبلوماسية بثبات. أما السلوك الإيراني فقام على توسيع نطاق الخطر، ورفع كُلفة الأزمة على الإقليم، واستخدام استهداف المدن والاقتصاد وسيلة ضغط.
ولهذا لم يكن الاستهداف الإيراني عسكرياً فقط، بل كان استهدافاً مباشراً للنموذج الاقتصادي الخليجي نفسه. الهدف لم يكن مجرد إيقاع ضرر مادي، بل التشكيك في الخليج كمركز للاستقرار والانفتاح والتجارة والاستثمار. وهذه النقطة الأخطر، لأن ما حاولت إيران ضربه لم يكن منشآت بعينها فقط، بل البيئة التي صنعت مكانة الإمارات والخليج إقليمياً ودولياً.
إن تهديد مضيق هرمز وضع أمنه في إطار دولي مباشر. ومن يهدد هذا الممر لا يهدد الخليج وحده، بل يرفع كُلفة الطاقة والتأمين والشحن على الاقتصاد العالمي كله. لذلك برزت مجدداً دعوات دولية وأميركية، إلى ترتيبات بحرية ودفاعية أوسع لحماية الملاحة والممرات الحيوية، بعد أن دفعت الهجمات الإيرانية الملف إلى واجهة النقاش الدولي.
وهذا يفرض على الخليج البناء على ما أثبتته الحرب من كفاءة، والانتقال من التنسيق العام إلى تكامل أمني أعمق، يشمل الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والبحري، وحماية البنية التحتية، والجاهزية السيبرانية. الشراكات الدولية ستظل مهمة، لكن حماية الخليج تبدأ من منظومة خليجية متماسكة تملك الردع.
حتى بعد انتهاء الحرب، لن يكون سهلاً ترميم جسور التواصل مع إيران. فالاستهداف المتعمد لدول الخليج تجاوز الخطوط الحمراء، وبدد ما تبقى من منطق الجوار، وفرض على دول الخليج مقاربة أكثر حزماً في حماية أمنها واستقرارها. ومن هنا لم تعد حماية الاستقرار خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل شرطاً أساسياً لصون النموذج التنموي والاقتصادي الذي تقوم عليه تجربة الخليج.
*كاتب إماراتي