في إطار الجهود التي تبذلها المؤسسات الحكومية في دولة الإمارات لتعزيز الابتكار المؤسسي ودمجه ضمن أطرها التشغيلية، حصلت الهيئة الاتحادية للضرائب على «شهادة المؤسسة الحكومية المُبتَكِرة» من «معهد الابتكار العالمي»، ما يعكس حجم الإنجازات التي حققتها الهيئة في مجال الابتكار، ويبرز مدى تطور منظومتها المؤسسية وريادتها في تطوير وتطبيق أفضل الممارسات الابتكارية داخل القطاع الحكومي.يمثّل هذا الإنجاز إضافة مهمة لمسيرة الهيئة لتعزيز ثقافة الابتكار المؤسسي، ما يعكس عمق التزامها برؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تطوير الأداء وتحقيق التميز في تقديم الخدمات الحكومية، عبر تكامل عناصر استراتيجيات العمل وعمليات الأداء والتقنيات الحديثة والموارد البشرية لتحقيق أثر مستدام وفعال.
ومن المهم في هذا السياق التأكيد على أنه في ظل عالم يشهد تغييرات متسارعة وتقدماً تكنولوجياً هائلاً، أصبح الأفراد اليوم قادرين على حجز الرحلات، وإجراء المعاملات المصرفية، والاستفادة من الخدمات الإلكترونية الأخرى بكل سهولة عبر هواتفهم الذكية، ما يزيد بشكل ملحوظ توقعاتهم تجاه كفاءة وفاعلية وجودة الخدمات الحكومية، ويعزّز رغبتهم في رؤية حلول سريعة، وشفافية أعلى، وتجربة مستخدم سلسة ومتكاملة.
وفي الوقت نفسه، تُعيد قوى عدة تشكيل استراتيجيات السلطات الضريبية عالمياً، بما في ذلك تغير ديناميكيات النمو، والتحولات في التجارة الدولية، وظهور «اقتصاد العمل الحُر»، والتسارع اللافت في الأتمتة، مع توقّع أتمتة نصف الوظائف عالمياً بحلول عام 2055، مما يحتم على الحكومات تبني استراتيجيات مبتكرة لمواكبة هذه التغيرات وضمان استدامة الأداء المؤسسي.
في هذا الإطار، تبرُز منافع تحديث أنظمة الضرائب العامة، وذلك عبر توفير حلول مُصممة لتلبية الاحتياجات الإدارية، مع توفير ميزات فريدة ومرونة عالية، كما يُمكن أن يكون التطوير مفيداً لتنفيذ المهام الضريبية الأساسية، مثل التواصل مع دافعي الضرائب، والتسجيل، والتقييم، مع تعزيز تحصيل الإيرادات، وزيادة الامتثال الضريبي، وخفض التكاليف الإدارية من خلال التحول الرقمي، بالإضافة لتحسين تحليل البيانات لكشف التهرب الضريبي، وتبسيط خدمات دافعي الضرائب وتسريعها.
كما تتضمن مزايا الممارسات المطبقة عالمياً لتحديث منظومة الإدارة الضريبية توفير تجربة محسّنة لدافعي الضرائب وزيادة ثقة الجمهور، وإدارة فعّالة للبيانات عبر الأنظمة الحديثة التي توفر واجهات رقمية سهلة الاستخدام، مما يبسّط الإجراءات الضريبية، بالإضافة لتعزيز فرص تعاون عالمي أقوى يدعم تبادل المعلومات عبر الحدود مع الهيئات الضريبية.
الجدير بالذكر أن الهيئة الاتحادية للضرائب قد حصلت في فبراير 2025 على جائزة «تصفير البيروقراطية الحكومية» بتحقيق فريق تصفير البيروقراطية بالهيئة المركز الأول في فئة «الأثر على قطاع الأعمال»، وتستهدف الهيئة تبسيط الإجراءات وإلغاء المتطلبات غير الضرورية، وخفض المُدد الزمنية لإنجاز الإجراءات والخدمات بنسبة لا تقل عن 50%، كما تشمل جهودها رقمنة خدمات التسجيل، وتقليص حقول البيانات، بالإضافة إلى تنفيذ أكثر من 75 عملية تطوير لرفع رضا المتعاملين.
وتجدر الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من مزايا التطوير المؤسسي بشكل عام وتحديث المنظومة الضريبية بشكل خاص، تبرُز بعض التحديات المتعلقة بالتحول الرقمي في بعض الدول في ظل الحاجة إلى استثمارات كبيرة، ولكن يبقى التطوير المؤسسي محركاً أساسياً للتنافسية الاقتصادية، عبر إسهامه في تحسين كفاءة وجودة الأطر التنظيمية، وبالتالي تحسين بيئة ممارسة الأعمال ودعم الجاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي.
إن التطوير المؤسسي في الجهات الحكومية بدولة الإمارات يأتي في إطار توجيهات القيادة الرشيدة، وفي ضوء برنامج تصفير البيروقراطية الحكومية الذي يُعد ركيزة أساسية في مسيرة الإمارات، إذ أنه لا يقتصر على التطوير الإداري وتحسين الخدمات، بل يتخطاها بوصفه تحوّلاً ثقافياً مستداماً في فلسفة تقديم الخدمات، عبر إعادة تصميمها وفقاً لمنظور المتعاملين، وبعيداً عن منظور الخدمات الحكومية التقليدية، بما يسهم في تعزيز مكانة الإمارات كأفضل بيئة للعيش والعمل والاستثمار.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


