لا شك أن دونالد ترامب يحسد جورج دبليو بوش على التوافق الثقافي الذي حظي به أثناء جرّ أميركا إلى حرب العراق عام 2003.
إذا لم تكن قد عشت تلك الفترة، فمن الصعب نقل أجواء التوافق الخانق التي خيّم على البلاد قبيل تلك الكارثة. آنذاك انصاع جزء كبير من الحزب «الديمقراطي» للأمر الواقع، وأقرّ مجلس الشيوخ تفويض استخدام القوة العسكرية ضد العراق بأغلبية 77 صوتاً مقابل 23. وأُقيل فيل دوناهيو من قناة MSNBC بسبب إفساحه المجال للأصوات المناهضة للحرب. كما جرى إقصاء فنانين لمجرد تعبيرهم عن معارضتهم.
فعندما نددت «ناتالي ماينز»، المغنية الرئيسية لفرقة «ديكسي تشيكس»، ببوش من على مسرح في لندن عشية الغزو في مارس 2003، كادت تداعيات ذلك أن تقضي على الفرقة. قاطعت محطات الراديو موسيقاهم، وتم إيقاف اثنين من منسقي الأغاني في كولورادو كانا يبثان أغانيهم. بعد أن كانت الفرقة من أشهر فرق موسيقى الريف في الولايات المتحدة، خرجت من قائمة بيلبورد لأفضل 40 أغنية.
وفي الشهر نفسه، عندما ألقى المخرج الوثائقي «مايكل مور» خطاباً مناهضاً للحرب في حفل توزيع جوائز الأوسكار، قوبل بصيحات استهجان عالية إلى جانب التصفيق. وصرح لصحيفة «نيويورك تايمز»: «كان النقاد يرددون واحداً تلو الآخر: «هذه نهاية مايكل مور».
لم ينل ترامب تقديرٌ مماثلٌ للحرب في إيران، لذا فهو يحاول فرضه. ففي مساء الأحد، وخلال هجوم لاذع على موقعه الإلكتروني «تروث سوشيال»، هاجم الرئيس صحيفة «وول ستريت جورنال» لتغطيتها غارة عسكرية إيرانية على طائرات أميركية.. وهدد «بريندان كار»، رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بسحب تراخيص البث من القنوات التلفزيونية بسبب تغطيتها للحرب. وفي الأسبوع الماضي، انتقد وزير الدفاع «بيت هيجسيث» تغطية شبكة CNN للحرب، موضحاً أنه يأمل في أن يقضي مالكوها الجدد على استقلاليتها: «كلما أسرع ديفيد إليسون في تولي إدارة هذه الشبكة، كان ذلك أفضل».
نادراً ما شهد التاريخ الحديث إدارة أميركية تبذل جهوداً بهذا الوضوح لإخضاع منتقديها. هذا الإكراه دليل صارخ على انهيار الديمقراطية. لكن لا ينبغي أن نغفل عن فشل ترامب في إخضاع البلاد لإرادته. فبينما يُدمّر المؤسسات الأميركية، يكشف ترامب عن حدود نفوذه الثقافي.
عادة ما تبدأ الحروب الأميركية بحماس شعبي، حتى لو انتهت بالخزي. ويفترض مفهوم «السيطرة على الوضع»- المستوحى من فيلم ساخر عُرض عام 1997 -أن بإمكان الرئيس رفع شعبيته وصرف الانتباه عن ورطة داخلية عبر قصف دولة أخرى. لكن هذا لا ينجح مع ترامب. فقد كانت الحرب على إيران غير شعبية في الداخل الأميركي منذ بدايتها، وحصدت تأييداً أقل في استطلاعات الرأي من أي صراع أميركي آخر تتوفر لدينا بيانات عن الرأي العام بشأنه. ولا تزال نسبة تأييد ترامب منخفضة تقريباً كما كانت عند بدء الحرب.
يواصل «الجمهوريون»، المتوافقون إلى حد كبير مع ترامب، دعم الحرب على نطاق واسع. لكن المؤثرين المحافظين، الذين يمثلون جزءاً أساسياً من منظومة الدعاية اليمينية، منقسمون بشدة. فقد قال «جو روجان»، الذي دعّم ترامب في انتخابات 2024، إن مؤيدي ترامب يشعرون «بالخيانة». وعلى منصة التواصل الاجتماعي «إكس»، هاجمت «ميجان كيلي»، وهي شخصية يمينية بارزة، «مارك ليفين»، أحد المعلقين المؤيدين للحرب، ووصفتْه بعبارة مهينة، ما دفع ترامب للدفاع عنه.
أما «تاكر كارلسون»، أحد أكثر مقدمي البودكاست «الجمهوريين» استماعاً، فقد وصف الحرب بأنها «مقززة». وفي تطور غريب نهاية الأسبوع الماضي، زعم أن وزارة العدل تخطط لتوجيه تهمة له بسبب تواصله مع إيران. ومن الصعب معرفة ما يجب استخلاصه من هذا الادعاء، لكنه يعكس على الأقل حجم الخلاف بينه وبين البيت الأبيض.
عادةً ما يلجأ «الجمهوريون» في خضم الحرب إلى تشويه سمعة خصومهم «الديمقراطيين» ووصفهم بعدم الوطنية. لكن هذا يصعب فعله دون وجود مؤيدين لهم، خاصةً مع تسريبات تشير إلى أن نائب الرئيس نفسه كان يرى أن الحرب فكرة سيئة. ففي مقابلة أجراها «جيك تابر» مع السيناتور «كريس مورفي» على شبكة CNN الأسبوع الماضي، سأله عما إذا كان معارضته لتمويل حرب ترامب قد تُفسَّر على أنها تصويت ضد القوات. هذا النوع من الحجج كان يُرعب «الديمقراطيين»، لكن مورفي لم يكترث إطلاقاً. قال: «يا رجل، الشعب الأميركي لا يريد هذه الحرب».
وشهد حفل الأوسكار يوم الأحد الماضي انتقادات لترامب أكثر بكثير مما وُجّه لبوش عام 2003. وهذه المرة، لم يواجه النجوم الذين انتقدوا ترامب أي ردود فعل سلبية تُذكر. فقد تلاشت المحظورات المتعلقة بانتقاد زعيم أميركي في زمن الحرب، ولن تستطيع هذه الإدارة إعادة فرضها بالقوة.
. *صحفية وكاتبة أميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


