في شمال شرق الولايات المتحدة، يحتفل عشاق الثلج بمستويات قياسية لم يشهدوها منذ ثمانينيات القرن الماضي. فقد سجل منتجع «جاي بيك» للتزلج في فيرمونت 349 بوصة من الثلج، أي أكثر مما سجله منتجع «جاكسون هول» في وايومنج. وتجمدت بحيرة شامبلين لأول مرة منذ عام 2019. وفي يناير، أدت عاصفتان ثلجيتان متتاليتان إلى تساقط أكثر من 30 بوصة من الثلج خلال 10 أيام.
وفي هذا الأسبوع، تساقط ما يصل إلى ثلاثة أقدام من الثلوج من ديلاوير إلى نيوهامبشير، فيما يصفه خبراء الأرصاد بأنه إعصار شتوي. لا يستمتع الجميع بالعواصف الثلجية، ولكن بالنسبة لمن يعشقونها، فقد جلب هذا الموسم متعة لا تُضاهى. أما بالنسبة لكوكب الأرض، فالأمر مختلف تماماً: إنها لحظة نادرة يعمل فيها أحد أهم أنظمته المناخية كما ينبغي. لقد ساهم الثلج والجليد في تبريد كوكبنا وحمايته من التغيرات المناخية الطبيعية والبشرية لمليارات السنين.
فسطحهما العاكس يساعد في التحكم بكمية الطاقة التي تدخل وتخرج من الكوكب، حيث يعكس ما يصل إلى 80% من حرارة الشمس إلى الفضاء. وتلعب مساحات شاسعة من الجليد البحري في القطب الشمالي دوراً مهماً بشكل خاص، إذ تبرد مياه البحار وتساعد في الحفاظ على فروق درجات الحرارة التي تؤثر في التيار النفاث، الذي يوجه بدوره الحرارة والطقس والرطوبة عبر أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. والآن، مع تسارع وتيرة ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي بفعل غازات الاحتباس الحراري التي تذيب الجليد والثلج وتعطل أنماط الشتاء، فإننا نعرض أنفسنا لخطر التعرض لحرارة الشمس.
يُعدّ الشتاء أحد آخر العوامل التي تُبقي كل شيء في مكانه. ومع ارتفاع حرارة الكوكب، ستتفاقم آثار ذوبان الثلوج والجليد. إذ سيؤدي ذوبان التربة المتجمدة في القطب الشمالي بكندا وسهوب سيبيريا - التي تحتوي على نحو 9 ملايين ميل مربع من التربة الصقيعية الغنية بالميثان - إلى زيادة كبيرة في الكربون في الغلاف الجوي، مما سيرفع درجات الحرارة العالمية بشكل حاد. كما أن الذوبان السريع للجليد في القطبين قد يرفع مستويات البحار بشكل كبير، مما يغمر العديد من المجتمعات الساحلية والجزرية. وسيؤثر ذوبان المياه أيضاً في تيارات المحيط الحيوية، مثل الدوران الانقلابي الأطلسي، من خلال تعطيل غوص المياه الباردة المالحة وقدرة المحيط على تنظيم الحرارة والكربون. ولن يؤدي تباطؤ هذا التيار إلى تغيير مناخنا فقط، بل سيغير أيضاً أنماط العواصف وهطول الأمطار في أميركا الشمالية وأوروبا.
ولمن يشكك في هذه العمليات - أو في قدرة البشرية على تغيير الكوكب - يكفي النظر إلى ما يحدث في القطبين: فقد أدى الاحترار الناتج عن النشاط البشري بالفعل إلى ذوبان كميات هائلة من الجليد في جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، مما أدى إلى تباطؤ دوران الأرض وغيّر محور دورانها قليلاً، مما أثر على طول اليوم ودقة الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع. حتى التأثيرات الأصغر للاحتباس الحراري قد تكون كبيرة. فمع تزايد عدم انتظام تساقط الثلوج وذوبان المناطق المتجمدة في الولايات الشمالية الأميركية، تمتص الأرض الداكنة المكشوفة الإشعاع الشمسي، مما يزيد من الاحترار بشكل ملحوظ. ووفقاً لدراسة صادرة عام 2020، فإن أميركا الشمالية فقدت 46 جيجاطن متري من الثلوج كل عقد خلال السنوات الـ39 الماضية. (وللتوضيح، فإن جيجاطن واحداً من الجليد يمكن أن يغطي سنترال بارك في نيويورك بعمق 1100 قدم). كما تشير الدراسات إلى أن مدة الشتاء في منتجعات التزلج الأميركية ستنخفض، في بعض المواقع، بأكثر من 50% بحلول 2050 وبنحو 80% بحلول 2090.
وقد انخفض الغطاء الثلجي الربيعي في غرب الولايات المتحدة بنحو 20% بين عامي 1955 و2020. ويعود سوء حظ الثلوج في سلاسل الجبال إلى ثلاثة عوامل: ارتفاع درجات الحرارة بشكل أسرع في المرتفعات، وفي خطوط العرض العليا، وخلال الشتاء نفسه. ولا يقتصر ما يخسره الأميركيون على الرياضات الشتوية.
فاختفاء الشتاء وتراجع الغطاء الثلجي الجبلي يسهمان في موت الغابات، وتفاقم الجفاف، وزيادة مخاطر حرائق الغابات، وتراجع إمدادات المياه للمزارع والخزانات. نحن فقط في بداية مرحلة عدم استقرار المناخ، حيث يصبح الشتاء أكثر تقلباً وتطرفاً، مما يؤدي إلى مزيد من الذوبان، وبالتالي إلى مزيد من الاحترار. وأثناء مشاهدتي للألعاب الأولمبية الشتوية في كورتينا - الواقعة أسفل نهر مارمولادا الجليدي، أحد أسرع الأنهار الجليدية ذوباناً في جبال الألب - لم أستطع إلا التفكير في خدمة أخرى يقدمها العالم المتجمد للبشرية. فقد كانت الأنهار الجليدية الجبلية بمثابة «أبراج مياه» للعالم لآلاف السنين، حيث توفر المياه العذبة للمزارع والمدن والغابات والأنهار وأكثر من ملياري إنسان.
لكن الذوبان السريع في الألب قلل من موارد المياه في أوروبا، مما أثر على الزراعة والطاقة الكهرومائية وحتى تبريد محطات الطاقة النووية. ويجري سيناريو مشابه في آسيا مع ذوبان جليد هضبة التبت، مما يهدد مصادر المياه لأكثر من مليار شخص. هناك قلة من الظواهر الجوية التي تغيّر المشهد الطبيعي كما تفعل العاصفة الثلجية، مثل تلك التي ضربت شمال شرق الولايات المتحدة مؤخراً. فالممرات الطينية والمروج البنية تتحول إلى مساحات بيضاء نقية، وتصبح الحركة أخف، وتخفت الأصوات مع امتلاء الهواء بمليارات البلورات الجليدية. من الصعب تخيل أنه خلال عقود قليلة قد تصبح هذه العواصف ذكرى بعيدة.
فمن دون تخفيضات أعمق في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة وغيرها، سيختفي الشتاء كما نعرفه خلال بضعة عقود. كما سينخفض عدد المواقع القادرة على استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية إلى النصف. ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار درجة مئوية واحدة فقط (1.8 فهرنهايت) يكفي لإذابة البلورات الهشة التي تغطي جبالناً وحدائقنا في الشتاء. وعندما نفقدها، سنفقد الدرع الذي ساعد البشرية على الازدهار خلال العشرة آلاف عام الماضية.
*مؤلف كتاب «الفئة الخامسة: العواصف العاتية والمحيطات الدافئة التي تغذيها».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


