بين يديَّ كتابان يتعاطيان مع المشكلة الإيرانية في المجال العربي. الكتاب الأول لي بعنوان: «العرب والإيرانيون وعلاقات الزمن الحاضر»(2017). أما الكتاب الثاني فهو لجاسم محمد الخلوفي بعنوان: المشروع الأيديولوجي الإيراني في الشرق الأوسط: مرتكزاته أهدافه أدواته ومستقبله (2022).
كنت بين كثيرين من الباحثين العرب الذين راهنوا على سلامٍ وعلاقات حسن جوارٍ مع إيران بعد انتهاء الحرب العراقية/ الإيرانية عام 1988. فقد كان المرشد الجديد لا يزال ضعيفاً، ورئيس الجمهورية البراغماتي رفسنجاني والذي خلفه «الإصلاحي» المعتدل محمد خاتمي. لكن في الفترة الأولى لخاتمي بدأ المرشد والأجهزة الأمنية يتدخلون فوق الوزارات ومؤسسات الدولة. ثم ظهر على مشارف الألفية الثالثة أنّ سياسات خامنئي لديها أولويتان: النووي، ونشر النفوذ في الجوار العربي. وقد ظهر ذلك جلياً في معاونة أميركا بأفغانستان والعراق ثم السيطرة بالتدريج وبحضور الأميركان على العراق، ودعم «حزب الوحدة» الشيعي بأفغانستان و«حزب الله» بلبنان. ونقل أميركا وأوروبا الملف النووي الإيراني من وكالة الطاقة إلى مجلس الأمن الدولي.
لقد كان على العرب- سياسيين ومثقفين- أن يتخذوا موقفاً من المستجدات الإيرانية. وكان الاتجاه العامّ ما يشبه الحياد الودي(!). وبقيت المشكلة في الأمر الآخر: نشر الميليشيات المسلحة في الدول العربية وإضعاف الدول وإثارة النزاعات بداخلها. ما كان تجاهل النووي سليماً ولا صحيحاً ولذلك جرى تجاهُلنا في المفاوضات وفي الاتفاق. أما الميليشيات فانقسمنا حولها رغم طابعها الطائفي الحادّ وإساءتها للدول الوطنية والتعالي عليها بحجة مقاومة الإسرائيلي(!).
لقد اختلفنا منذ البداية هل الخطر الآتي من الميليشيات سياسي واستراتيجي أم هو طائفي وأيديولوجي. ونحن الذين اعتبرنا الميليشيات الإيرانية حركات أيديولوجية وسياسية ظللنا لفترة متشككين في هويتها الدينية، لأنه كان بين المتحزبين لإيران سُنّة مثل «الجهاد الإسلامي» ولاحقاً «حماس»... و«الإخوان». لقد كان الأَولى بنا منذ البداية- وبغضّ النظر عن هوية الميليشيات دينية أو سياسية بحتة- أن نتنكر لها لأنّ الأوامر والإمداد تأتي من إيران وخارج تقاليد الدولة الوطنية. ثم إنّ الميليشيات كانت تمارس العنف بالداخل، وعندما تقاتل خارج سيادة الدولة تورّط البلاد في حروب! وما استطعت الوصول إلى موقفي الحالي إلا عام 2010 وما أزال عليه.
أما محمد جاسم الخلوفي فقد كان بحسب كتابه مع الفهم الذي يقول، إن المشروع الإيراني أيديولوجي من البداية. وقد ظهر ذلك في عدة أقطارٍ ومناسبات. فقد انتشر الإيرانيون و«حزب الله» في لبنان وسوريا وصاروا يشنون غارات على إسرائيل من دون تنسيق مع الجيش والدولة، فصارت الحرب شبه متواصلة وخربت الدول في لبنان وسوريا والعراق.. ولاحقاً اليمن، والتدخلات الإيرانية تزداد قسوةً. ومن السذاجة التركيز على الفروق بين الشيعة والسنة. فالإسلام السياسي واحد، وهدفه الوصول للسلطة باسم الإسلام وتطبيق الشريعة. وهو الأمر الذي حصل ويحصل في السنوات الأخيرة. ولا تنفع أوهام الحياد، بل لا بد من المواجهة.
*أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


