في الأسبوع الثالث من شهر مارس الحالي (13-20) سجّلت أسعار الذهب أسوأ أسبوع لها، منذ نحو 43 عاماً، حتى أطلق على يوم الخميس 19 مارس «الخميس الأسود»، إذ سجلت العقود الآجلة للذهب واحدة من أسوأ تراجعاتها على الإطلاق، عندما هوى بنسبة 5.9 في المئة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، والتي دخلت أسبوعها الرابع.

وفي وقت يتوقع فيه، مجلس الذهب العالمي أن تؤدي الأسعار القياسية إلى تباطؤ مشتريات البنوك المركزية إلى 850 طناً مترياً هذا العام، مقارنة مع 863 طناً في العام الماضي، لوحظ أنه من الأسباب الرئيسية لتراجع سعر الأونصة من ذروته القياسية 5600 دولار إلى 4200 دولار، أن الضغوط لم تقتصر على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار، بل امتدت لتطال نبض «الشارع الاستثماري» المتمثّل في المستثمرين الأفراد حيث سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آرغولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم، والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين.

 وعلى رغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة والتي بلغت 10.5 مليون دولار، تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد من العام الماضي، فإن الدلالة العميقة تكمُن في «التحول النفسي»، وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال». وفي هذا السياق يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة بالذهب بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق متعثرة. وهذا النوع من البيع القسري، يثبت أن الذهب في لحظات الأزمات المركبة، يتحوّل من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجّل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق.

وإذا كان مجلس الذهب العالمي لاحظ دخول بنوك مركزية جديدة، أو بنوك كانت غائبة عن سوق الذهب لفترة طويلة، إلى هذه السوق، فإن الصين وروسيا، كانتا أكبر «اللاعبين»، وقد اشترى كل منهما كميات كبيرة في العام الماضي، لتعزيز احتياطاتهما الدولية، وذلك في سياق ابتعادهما عن الدولار الأميركي. ولوحظ أن روسيا بعد تعزيز احتياطاتها من الذهب لتصل إلى مستويات قياسية نحو 217.4 مليار دولار، وأصبحت تشكّل 43 في المئة من إجمالي احتياطاتها، قام البنك المركزي الروسي ببيع 300 ألف أونصة في يناير الماضي، مستفيداً من ارتفاع الأسعار القياسي، لتغطية عجز الموازنة، المقدر بنحو20.5 مليار دولار في العام الحالي.

وبعدما كانت روسيا تعتمد على الفائض من ارتفاع أسعار النفط لتغطية عجزها المالي المتراكم جراء ارتفاع إنفاقها العسكري الذي أصبح يشكّل 34 في المئة من إجمالي إنفاقها الحكومي، نتيجة تطور حربها في أوكرانيا، فقد اعتمدت في السنوات الأخيرة على أرباحها من استثمارات الذهب التي ارتفعت بنسبة 70 في المئة إلى 326.5 مليار دولار في العام الماضي، وهو رقم قياسي يسجل للمرة الخامسة على التوالي.

ومن اللافت أن الارتفاع السريع لأسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة، خفّف على روسيا خسارة الجزء المجمّد من احتياطاتها لدى الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع منذ العام 2022، والبالغ 280 مليار دولار. وبما أن قيمة الذهب في خزائن المركزي الروسي ارتفعت بواقع 178 مليار دولار بفضل ارتفاع الأسعار العالمية، تكون روسيا قد عوضت فعلياً نحو 64 في المئة من أصولها المجمدة.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.