عل التاريخ اليوم، بل وكل يوم، يعيد نفسَه، ولعله أبلغ الحكماء في تفسير المواقف على صعيد العلاقات الدولية. وفي معمعة الحرب الجارية في الخليج العربي، فإننا نعي ما نشير إليه هنا من أن التاريخ يعيد نفسه في صور مختلفة، حيث إن ما نشهده اليوم من بعض ردود الفعل تجاه ما تتعرض له دول الخليج العربية من تهديدات واعتداءات إيرانية، يعيد إلى الأذهان صفحات مؤلمة من الماضي، حين اختلطت المواقف وضاع الوعي لدى البعض، فاختاروا الوقوف في خانة الشماتة، عوضاً عن الدعم ولو بالتصريح، متناسين أن دول الخليج العربية لا ذنب لها في الحرب الدائرة، لا من قريب ولا من بعيد. وهذه حقيقة ثابتة لا تقبل التأويل أو التحريف. لكن في ظل المواقف والأحداث الجارية هناك مَنْ لا يريد التمييز بين الحقائق والمواقف.
إنّ تبعات هذه الحرب لم تأتِ إلا بحكم الموقع الجغرافي لدول الخليج العربية، والتي وجدت نفسَها في قلب التوترات الإقليمية، وذلك لقربها من بؤرة الصراع، لا بسبب تورّطها فيه. وعلى الرغم من ذلك، تُصرّ إيران على استهداف السكان المدنيين والمنشآت المدنية في هذه الدول، وعلى الإضرار بمصالحها الاقتصادية من خلال التهديد باستهداف الممرات الحيوية ومصادر الاقتصاد. وهنا يبرز السؤال الإنساني قبل السياسي: ما ذنب المدنيين في دول الخليج العربية؟ وما الذي اقترفوه ليكونوا هدفاً للترويع؟ وهل هذا التصرف من الدين والإسلام وحُسن المعاملة؟
إنّ استهداف الاستقرار الاقتصادي وتهديد السكان المدنيين والمنشآت المدنية له آثار تطال الجميعَ في المنطقة والعالم، وهو أمر لا يمكن تبريره بأي منطق أو قبوله تحت أي ذريعة. ولعل الأكثر إيلاماً في هذا الخصوص أن بعض الأصوات الشامتة تنتمي إلى محيط عربي لطالما وقفت معه دول الخليج العربية وقفات دعم صادقة، حيث قدّمت المليارات، دعماً ومساندةً، في مختلف الأزمات، دون منّة ودون انتظارِ مقابلٍ. دول الخليج العربية لم تقصِّر يوماً في واجبها تجاه أشقائها، بل كانت على الدوام سنداً لهم وعوناً، سواء في أوقات السِّلم أم في أوقات الشدة. ومع ذلك، ثمّة مَنْ يتناسى كل هذه المواقف والأفضال الخليجية، ويقابل المعروفَ بالجحود والتنكر.
إن دروس التاريخ واضحة لمَن أراد أن يعتبر. فالمواقف لا تُقاس بلحظتها، بل بما تتركه من أثر في الذاكرة. ومَن يختار الشماتةَ اليوم، قد يجد نفسَه غداً في موقع يحتاج فيه إلى مَن يقف معه. أما دول الخليج العربية، فستبقى كما عهدها الجميع، ثابتة في مواقفها، متمسكة بقيمها، لا تنحدر إلى درك الشماتة، مهما اشتدت الظروف.. ولا نامت أعين الشامتين!
*كاتب كويتي


