من الجنون والغباء معاً أن تطال الصواريخ والمسيّرات الإيرانية دولاً وشعوباً مجاورة في وقت يُفترض أن يسعى فيه نظام طهران لكسب تعاطف إقليمي ودولي في هذا الصراع.ولكن، في ظل انحراف بوصلة الأهداف الإيرانية وحسابات خاطئة وواهية دفعت النظام ليعتدي على جيران آمنين، حرصت دولة الإمارات على الثبات والتماسك والحفاظ على قوة مبادئها التي تأسست عليها، وفي مقدّمتها الالتزام بالشرعية والقانون الدولي، وتجلّى ذلك في بلورة السردية التي تواجه الخطاب «المؤدلج» للمعتدي الإيراني، الذي حاول منذ الساعات الأولى للحرب تصوير الأمر بوضع دولة الإمارات، وبقية دول مجلس التعاون، في مشهد الحرب من خلال الزعم بأنها طرف يشارك، أو على الأقل، يسهّل العمليات العسكرية الأميركية.
وفي ظل خطورة العدوان الإيراني الغاشم على دول مجلس التعاون، وما ينطوي عليه من تبعات جيوسياسية عميقة، كان من الضروري أن تتجلى السردية الإماراتية الثابتة لتنسف ادعاءات المعتدي وتفضح خطابه الزائف، اعتماداً على الوضوح والمنطق، وما يرتبط بذلك من قدرة على الإقناع بقوة الحجة وإرث المصداقية الذي يميز مواقف دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة.
وفي الحرب الراهنة، كانت «السرديات» نطاقاً مهمّاً لتفكيك المواقف وإظهار الحقائق، حيث بات من الصعب ترويج سرديات «عاطفية» واهية لا تدعمها حقائق، والمسألة هنا لا تتعلق باستقطاب مواقف الشعوب والرأي العام العالمي، على الرغم من أهمية ذلك وضرورته، ولكنها ترتبط بمشروعية المواقف وقانونية الدوافع التي تنطلق منها الدول في رسم استراتيجيات التعامل مع هكذا أزمات فُرضت عليها.
ومن المؤكد أن الصراعات لا تُحسَم بأصوات القنابل والمدافع فقط، بل تُحسَم أيضاً بقوة الحجج وثبات المواقف، ودولة الإمارات جمعت بين كفاءة وجاهزية منظومات الدفاع عن أرضها وسيادتها بإسقاط 378 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخاً جوّالاً، و1835 طائرة مسيّرة منذ بدء الاعتداءات الإيرانية حتى وقت كتابة هذه السطور، وبين «السردية» الواضحة والشفافة التي أسهمت في كسب صراع السرديات، الذي يُعدّ أحد أهم ميادين الصراعات الحديثة، وقد برز ذلك بقوة خلال جلسة مجلس الأمن الدولي التي تبنّى خلالها القرار رقم 2817 بأغلبية 13 صوتاً، الذي يؤكد دعم المجلس للسلامة الإقليمية لدولة الإمارات والبحرين وعُمان وقطر والكويت والسعودية والأردن، ولسيادتها واستقلالها السياسي، ويُدين بأشد العبارات الهجمات الشنيعة التي تشنّها إيران على أراضي هذه الدول، ويطالب بالوقف الفوري لها.
والمسألة هنا ليست في قرار الإدانة فقط، بل في تأطير المواقف ضمن نطاق الشرعية الدولية، وهذا أمر حيوي للغاية لدولة الإمارات باعتبارها دولة تحرص تماماً على الالتزام بمعايير الشرعية والقانون الدولي، حيث يعزل القرار السلوكَ الإيراني عزلاً تاماً، ويمثّل بالتالي انتصاراً قانونيّاً تحتاجه دول الخليج المعتدَى عليها لاحقاً، ولاسيّما أنها قرّرت عدم الانخراط حالياً في الحرب، والاكتفاء بالدفاع عن سيادتها مع الاحتفاظ بحق الردّ في الوقت المناسب، وبالتالي كان من الضروري إثبات انتهاك إيران لسيادة هذه الدول وسلامة أراضيها وفقاً لمقرّرات الشرعية الدولية، وتحديداً الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنصّ على: «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة»، فضلاً عن «بناء قضية» بحشد المجتمع الدولي للاصطفاف ضدّ العدوان الإيراني الغاشم، واعتباره تهديداً للسِّلم والأمن الدوليين وفقاً للقرار الأممي، وهذا يعني أن العدوان الإيراني بات ضمن ولاية مجلس الأمن الدولي المناط به حفظ الأمن والسلم الدوليين من خلال إمكانية اللجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يمنح المجلس سلطة اتخاذ إجراءات ضدّ أي دولة يرى أن سلوكها يمثّل تهديداً للأمن والسلم الدوليين.
وفي نقاشات مجلس الأمن الدولي، لعبت السردية الإماراتية كذلك دوراً مهماً في بناء توافق دولي بأغلبية واضحة، في ظل وجود مشروع قرار آخر، يخلو من إدانة العدوان الإيراني بشكل واضح ويكتفي بالدعوة إلى الوقف الفوري للقتال. ولم تقتصر السردية الإماراتية على الشِّقّ القانوني، بل تضمنت تكريس التفوق التقني دفاعياً، من خلال إثبات الجاهزية الفائقة لمنظومات الدفاع المضادة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وإظهار حصاد استثمار الدولة في بناء قدرات ردع فائقة استطاعت حماية مكتسبات التنمية في لحظة اختبار صعبة، كما نجحت السردية الإماراتية كذلك في الربط بين أمن دولة الإمارات والمصالح الدولية وأمن الطاقة العالمي، لتكتسب دعماً عالمياً واسعاً، ما أفشل محاولات النظام الإيراني كسر إرادة الإمارات واستنزافها عسكرياً واقتصادياً، بل جاء النجاح معاكساً، حيث صَنعت السردية الإماراتية قصة نجاح ملحمية.
الرئيس التنفيذي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.