في فبراير الماضي كان البيت الأبيض يتباهى بأرقام قياسية في تصدير الغاز الطبيعي المسال، ويحتفل بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية، ويتفاخر بدعمه للفحم وإقصاء تقنيات الطاقة النظيفة، معتبراً أن هذه الإجراءات ستوفِّر على العائلات آلاف الدولارات، وتعكس «التزاماً ثابتاً بالاستقلال في مجال الطاقة والازدهار الاقتصادي ووضع أميركا أولاً». والإدارة الأميركية أعلنت: «سيادة أميركا في مجال الطاقة عادت»، لكن بعد أربعة أيام، انقلبت أسواق الطاقة العالمية رأساً على عقب، عندما بدأ الرئيس دونالد ترامب حرباً مع إيران. وفي الوقت نفسه، تُرك المستهلكون الأميركيون ليتحمّلوا الفاتورة، بينما ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير.
الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، حيث تنتج أكثر من 13 مليون برميل يومياً. وهي أيضاً أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال. لكن هذا الوضع يسهّل تضليل الناخبين للاعتقاد بأن الولايات المتحدة يمكن أن تكون مكتفية ذاتياً بالكامل في مجال الطاقة. بينما تنتج الولايات المتحدة الأميركية في الغالب نفطاً خفيفاً من الصخر الزيتي، والذي يمكن تكريره في بعض المصافي في تكساس والغرب الأوسط، فإن 70 بالمئة من طاقة التكرير المحلية مجهَّزة للتعامل مع درجات أثقل وأكثر حمضية من النفط، معظم هذه النوعية من النفط تأتي من مصادر أجنبية، بشكل أساسي من كندا، تليها المكسيك والمملكة العربية السعودية. العام الماضي، استوردت الولايات المتحدة 6.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام، 8 بالمئة منها من الشرق الأوسط، مما يجعل قطاع الطاقة في البلاد مُعتمِداً بطبيعته على الإنتاج الأجنبي وضعيفاً أمام إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمر منه حوالي 20 بالمئة من نفط العالم. ولتخفيف قيود العرض، رفعت إدارة ترامب العقوبات عن النفط الإيراني والروسي، مانحةً مليارات الدولارات من الإيرادات لخصمين، ومن المفارقات، أنها تموّل المجهود الحربي الإيراني. لكن صدمة العرض هذه قد تكون أيضاً زادت من خطر ارتفاع التضخم، وكشفت عن نقص استقلالية قطاع الطاقة الأميركي، وخاطرت بالدخول في ركود.
في فبراير الماضي قال الرئيس: «عندما تُخفِّض تكلفة الطاقة، فإنك تخفّض تكلفة كل شيء». والعكس صحيح أيضاً. تقلّبت أسعار النفط الخام بشكل كبير، حيث ارتفعت الشهر الماضي إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، مما دفع سعر الغالون الواحد من البنزين إلى أكثر من 4 دولارات. ارتفعت أسعار وقود الطائرات في وقت من الأوقات بنسبة تزيد على 80 بالمئة، مما زاد من تكلفة تذاكر الطيران. ويمثّل الوقود الأحفوري 80 بالمئة من تكاليف إنتاج الأسمدة، مما يرفع أسعار المواد الغذائية. ومع ارتفاع أسعار الديزل، ستنتقل تكاليف الشحن المرتفعة أيضاً إلى المستهلكين، مما يجلب المعاناة الاقتصادية للعائلات التي تعاني بالفعل لدفع فواتيرها.
ليس من المستغرب أن يكون التضخم في مارس قد ارتفع بأعلى معدل له منذ أربع سنوات، وفي الولايات المتحدة، يدور الحديث حول الطاقة النظيفة بشكل كبير حول سياسات الانتقال في قطاع الطاقة - هل أنت مؤيد أم معارض؟ لقد أظهرت الحرب في إيران أن هذه الحجج غير ذات صلة تماماً تقريباً.
لم ينتج أي من الحزبين الإطار السياسي الذي تحتاجه الولايات المتحدة: أجندة تنافسية للطاقة تقوم على تنوّع المصادر وبناء الصناعة المحلية. من شأن ذلك أن يقلّل التعرض لأسواق السلع العالمية المتقلبة، ويعزّز التصنيع المحلي، ويقوّي سلاسل التوريد.
يأتي هذا النهج مع بعض الصدمة من التكاليف، وسيكون التحرك بسرعة صعباً، بسبب فقدان القدرة الصناعية وعملية التصاريح والتنظيم المفرطة في التعقيد. وسيتعيّن على كلا الحزبين تقديم تنازلات. ويجب على اليسار قبول خطوط الأنابيب الجديدة والضرورة الاستراتيجية للغاز الطبيعي. ويجب على اليمين وقف حملته ضد الطاقة النظيفة، والتي تصاعدت لدرجة دفع مليار دولار لشركة ما لعدم بناء مزرعة رياح، وإصلاح العلاقات مع الحلفاء الذين لم يعودوا يعتقدون أن الولايات المتحدة شريك تجاري موثوق. إذا بدا هذا النوع من الوحدة بعيد المنال، فتأمل في كيفية إيجاد كلا الحزبين طريقاً للأمام بشأن الطاقة النووية.
كان التطوير النووي الأميركي قد أصبح مكلّفاً وبطيئاً بسبب التعقيد التنظيمي، والسياسات غير المتسقة، ونقص التصاميم الموحدة، وقلق دعاة حماية البيئة. كان الانقسام الحزبي عميقاً بنفس القدر. وعارض «الديمقراطيون» الإصلاحات التنظيمية اللازمة لبناء الطاقة النووية بشكل أسرع، ورفض «الجمهوريون» إنفاق الأموال الفيدرالية اللازمة على التصاميم الجديدة. لكن هذا التعنّت الحزبي تلاشى منذ ذلك الحين، حيث أعلنت كل من إدارة بايدن وترامب عن أهداف لمئات الجيغاواط من الطاقة النووية الجديدة بحلول عام 2050، وهناك دعم من الحزبين لمشاريع نووية متقدمة. وفي الوقت نفسه، يعتمد القطاع بنجاح على السوق الدولية لنشر التصاميم المحلية.
في كسر هذا الانقسام الحزبي، أدرك «الديمقراطيون» الفوائد المناخية، بينما رأى «الجمهوريون» الحاجة إلى الأمن القومي. ولكن أكثر من موازنة المقايضات، تجاوز واضعو السياسات مخاوفهم واستجابوا للواقع.
الطريق إلى الأمام لا يتعلق بالاختيار بين الوقود الأحفوري والطاقة النظيفة. إنه يتعلق ببناء القدرة على الصمود في وجه صدمات الطاقة مثل التي تعاني منها الولايات المتحدة الآن - ووضع أميركا في موقع يسمح لها بالمنافسة بشكل أفضل في أسواق الطاقة في القرن الحادي والعشرين.


*خبير في قضايا المناخ والطاقة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة»واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»