تنظيم سرّي، أرضٌ إماراتية وأوامر تأتي من الخارج. هذه ليست رواية جاسوسية، بل هي الخيانة في أكثر صورها وضاحةً وأشدها وقاحة: التستر بالهوية الدينية وتوظيف المذهب غطاءً لنشاط تخريبي منظّم يستهدف دولة آمنة مستقرة. وحين تنكشف الخيانة لا تنكشف وحدها، بل تجرّ معها أسئلة أشد وطأةً من الجريمة ذاتها: مَن أنتم؟ ومَن أرسلكم؟ وكيف تجرأتم؟
وهنا، يصبح الصمت خيانةً ثانية. الحقيقة التي لا تحتمل المراوغة هي أن ما جرى ليس نشاطاً دينياً ولا تعبيراً عن هوية، بل هو عمل إجرامي منظّم يستخدم الطائفة وقوداً. والفارق بين الأمرين جوهري. فالهوية الشيعية في الإمارات حاضرة ومحترمة منذ تأسيس الدولة، ينعم أبناؤها بالحرية والمساواة، ويُسهمون في بناء هذا البلد كسائر المواطنين. أما التنظيم السري فكيان آخر تماماً، يعمل بأجندة خارجية، ويتلقى توجيهات من جهات لا تُخفي عداءها لدولة الإمارات.
والخلط بين الاثنين ليس جهلاً، بل هو جزء من خطة ولاية الفقيه التوسعية. ما يُلفت النظر في بنية هذه التنظيمات السرية أنها تُجنّد الشباب عبر مسارات ناعمة في بدايتها: حلقات دينية، ولقاءات اجتماعية، وخطاب يُغذّي الشعور بالغبن والمظلومية. ثم تتصاعد الأدوار تدريجياً حتى يجد الفرد نفسه منخرطاً في شبكة إرهابية لا يُعرف أطرافها. هذا النموذج التجنيدي يتكرر بصورة لافتة في الخلايا المرتبطة بأجهزة الحرس الثوري الإيراني ومتفرعاته في المنطقة. والنتيجة دائماً واحدة: شباب يدفعون ثمناً باهظاً لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جَمل، بينما يبقى المحرّكون الحقيقيون في مأمن تام خلف الحدود، يُحرّكون الأحجار على رقعة شطرنج لا تعنيهم، وغايتهم الوحيدة تدمير نماذج النجاح الخليجية التي تُثبت كل يوم أن الاستقرار والازدهار ممكنان بلا وصاية ولا تدخل، ذلك لأن الإمارات المزدهرة والخليج المستقر يمثّلان بحدّ ذاتهما فضيحةً صارخة تُفنّد كل ادعاءات مشروع ولاية الفقيه وتكشف زيفه أمام العالم.
ولهذا بالضبط لا يريدونها أن تبقى. ما يزيد المشهد مرارةً أن هؤلاء المتآمرين يُحسنون انتقاء ضحاياهم. فهم لا يستهدفون المتدينين الراسخين في فهمهم، بل يتصيّدون الشباب القلق، الباحث عن هوية أعمق، أو المُثقل بأسئلة لم يجد لها إجابةً في محيطه. يُقدّمون له انتماءً بديلاً، وجماعةً تُعانقه، وخطاباً يمنحه شعوراً زائفاً بالمعنى والبطولة. هذه ليست دعوةً دينية، بل هي عملية استغلال ممنهجة لها اسم واحد لا يحتمل التلطيف: تجنيد إرهابي يرتدي عباءة المذهب، وخيانة وطنية تتاجر بمقدسات الدين. الموقف الديني هنا لا يحتمل الغموض. فقه أهل البيت، الذي يدّعي هؤلاء الانتساب إليه، واضح في تحريم الغدر والإفساد في الأرض وإثارة الفتنة بين الناس. والأئمة الذين يُرفع اسمهم شعاراً لهذه التنظيمات كانوا في سيرتهم الفعلية أبعد الناس عن العمل السرّي التخريبي، وأحرصهم على صون الدم وحفظ السلم الاجتماعي. الإمام جعفر الصادق لم يُؤسّس خلايا سرية، بل أسّس مدرسة فقهية تُعلّم الناس الورع والعدل. والإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عن الصحابة أجمعين وعن آل البيت الكرام)، حين آلت إليه الخلافة حكم بالعدل بين الناس جميعاً ولم يُفرّق. وتوظيف هذه الرموز المقدسة لتبرير الخيانة ليس تديّناً، بل هو ازدراء للدين في أبشع صوره.
على المستوى الوطني، تستهدف هذه التنظيمات نقطة بعينها: تصدّع الثقة. حين تُزرع خلية في مجتمع متماسك، فإنها لا تسعى بالضرورة إلى عمل ميداني فوري، بل تعمل على المدى البعيد لإشاعة الريبة بين المواطنين، وتحويل الانتماء المذهبي إلى مصدر توتر، بدلاً من أن يكون مكوناً طبيعياً في نسيج التعددية الإماراتية. ولهذا فإن الضربة الأمنية التي تُوجَّه لهذه التنظيمات ليست ضربةً لمذهب أو طائفة، بل هي دفاع عن التعايش نفسه وصون للنموذج الذي بنته الإمارات بشقّ الأنفس على مدى عقود. لكن الجانب الأمني وحده لا يكفي. المعركة الحقيقية تدور في الفضاء الفكري والديني.
وهذا يضع على رجال الدين الشيعة المنتسبين لهذا الوطن مسؤولية التصدي لخطاب الاستقطاب، وتفكيك رواية المظلومية المُصنَّعة لتبرير أجندات مشبوهة، وتقديم خطاب ديني رصين يُرسّخ الانتماء الوطني لا يُناقضه.
وفي هذا السياق لا يسعني إلا أن أُثمّن القرار الجريء الذي اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة في ملاحقة هذه التنظيمات وتفكيكها. قرار يدل على يقظة أمنية متقدمة ووعي سياسي عميق بطبيعة التهديدات التي تستهدف هذا البنيان الوطني الذي شُيِّد بعرق الأجيال. الإمارات لم تنتظر حتى تستفحل الجراح، بل تحرّكت بحزم ومسؤولية، مُثبتةً أنها دولة مؤسسات تحكمها القوانين لا الانفعالات، وتتعامل مع الأمن الوطني بالجدية التي يستحقها. هذا القرار رسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه اتخاذ أراضي الإمارات ساحةً للتآمر: إن هذا الوطن يعرف كيف يحمي نفسه، وإن منظومته الأمنية ترصد وتُحصي وتتصرف في الوقت المناسب. وهو في الوقت ذاته رسالة طمأنينة لأبناء الطائفة الشيعية العرب الشرفاء الذين يُؤدّون واجبهم الوطني يومياً بإخلاص، مفادها أن الدولة قادرة على التمييز بين المواطن الأمين والعميل المندسّ، وأن الانتماء المذهبي لن يكون يوماً مصدر شبهة لمن ثبتت براءة يده ونظافة ضميره.
الخلاصة أن ما اكتُشف ليس مجرد قضية أمنية تُعالجها المحاكم وتنتهي. إنه اختبار لمدى قدرة المجتمع على تمييز الانتماء الحقيقي من الانتماء المزيّف، والتدين الأصيل من التدين الموظّف. والإمارات بقيادتها الرشيدة وبتاريخها الحافل في إدارة التنوع وبناء الهوية الجامعة، تملك من الأدوات والإرادة ما يجعلها قادرةً على اجتياز هذا الاختبار وكل اختبار. لكن ذلك يشترط أن يقول أبناء الطائفة الشيعية الشرفاء كلمتهم بصوت عالٍ وواضح: هؤلاء لا يمثّلوننا، ومذهب الإمام جعفر الصادق أكبر من أن يكون أداةً في يد المتآمرين، ووطننا الإمارات أغلى من أن نتركه لمن يُريد به سوءاً.
وهنا يسألني بعضهم: لماذا تتكلم؟ ولماذا لا تدع الأمور تأخذ مجراها؟ وجوابي لهؤلاء واضح كضوء الشمس: لأن إيران دمّرت بلدي الأصل العراق، نهبت ثرواته، ومزّقت نسيجه، وحوّلت أبناءه إلى وقود في حروب لا تعنيهم. رأيت ذلك بعيني وعشته بروحي. ومن عاش التدمير يعرف رائحته قبل أن يراه. فكيف أصمت وأنا أرى الأيدي ذاتها تمتد نحو الإمارات، وطني الذي اخترته واختارني، الذي أتنفس هواءه وأشرب من كرمه وأمشي على ترابه مرفوع الرأس؟
هذه الأرض ليست مجرد إقامة في جواز سفر، بل هي الوطن الذي أعاد لي معنى الانتماء حين سُرق مني الأول. وحين سُرق مني الأول لجأت إلى الغرب، فوجدت فيه سقفاً لكنني لم أجد وطناً. أعطاني أوراقاً ولم يعطني انتماءً، ومنحني حقوقاً ولم يمنحني جذوراً. والذي جرّب فقدان الوطن مرة لا يتحمل أن يصمت وهو يرى وطنه الثاني في خطر. لهذا أتكلم، ولهذا أدافع عن دولة الإمارات الأبية، ولن أتوقف.
*مستشار برلماني


