للمرة الثالثة أو الرابعة منذ عام 2000 يتحرش الحزب الإيراني المسلح في لبنان بإسرائيل، وترد إسرائيل بحروب شعواء تنشر الدمار والتهجير والقتل. وبخلاف المرات السابقة منذ عام 2006، فإنّ الحرب طالت هذه المرة، فاحتلت إسرائيل حوالى ألف كيلو متر في جنوب لبنان، وقتلت خمسة آلاف، وهجّرت ما يزيد على مليون شخص من أكثر من مائة قرية وبلدة.
    إنّ طول الحرب هذه المرة ما جاء لأنه لم يَجر التوصل لوقف النار. فقد توسّط الأميركيون والفرنسيون وتوقّف إطلاقُ النار وجرى إنشاءُ لجنة مشتركة لمراقبة إنفاذ القرار. لكنّ «حزب الله» عاد لإطلاق النار ثأراً لخامنئي عندما قُتل، فردّت إسرائيل بالحرب الشعواء المستمرة والتي تكاد تقوّض السلطة والدولة وتحيل أجزاء واسعة من البلاد قاعاً صفصفاً.
لم تستطع السلطةُ إرغامَ الحزب على وقف النار، واستمرت في مطالبة واشنطن بالتدخل لدى إسرائيل لوقف الحرب. وقال الإسرائيليون إنهم لن يوقفوا الضربات حتى يطمئنوا إلى أن قراهم في الشمال صارت آمنةً من صواريخ ومسيَّرات الحزب. وكانت السلطة اللبنانية قد أصدرت قرارات بنزع سلاح الحزب لم تتمكن من إنفاذها. وحتى منطقة جنوب الليطاني التي قال الجيش اللبناني إنه نظّفها من سلاح الحزب، تبين مع الهجمات الإسرائيلية أن الحزب وسلاحه ما يزالان حاضرَين فيها!
    ولهذا، وأمام العجز عن نزع السلاح، وحتى عن إرغام الحزب على وقف إطلاق النار، لم يبق أمام السلطة إلاّ الموافقة على مطلب واشنطن التفاوض المباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية في واشنطن. هاج الحزب وأنصاره وماجوا، ومن ورائهم سياسيون يطالبون بالعودة إلى آليات مفاوضات قديمة وغير مباشرة. لكنّ السلطة أبت وعقدت محادثات تمهيديةً بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن. ثم تقدمت درجةً أخرى، فانعقدت يوم 14/5/2026 محادثات سياسية بالعاصمة الأميركية. ويظل المطلب اللبناني هو وقف إطلاق النار من جانب إسرائيل، وانسحابها من الأراضي المحتلة، والسماح لسكان القرى بالعودة إليها، والمباشرة بإعادة الإعمار. 
    وتجيب إسرائيل بأنها لن تستجيب لشيء من ذلك ما لم تأمن القرى على الحدود من قصف الحزب. والعلائق بين الحزب والحكومة اللبنانية مقطوعة، بحيث لا يردّ الحزب على مطلب الحكومة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار من جانبه!
    لا تبدو للتفاوض حظوظ إيجابية ما دام الواقع على هذا النحو، إذ لماذا توافق إسرائيل على وقف النار والانسحاب، وقد فعلت ذلك ثلاث مرات، والحزب هو الذي يعود لبدء القتال بطلبٍ من إيران!
    هل يلجأ الأميركيون للحيلة بأن يؤثروا في صنع هدنة لأسبوع أو أسبوعين للاختبار؟ الإسرائيليون، وإن وافقوا على ذلك (وهو صعب) لن ينسحبوا ما دام الحزب يستطيع توجيه سلاحه من جديد عندما تجد إيران ذلك مفيداً رغم ما يصيب اللبنانيين من مصائب.
    أياً تكن مصائر التفاوض، فإنّ علة العلل هي وضع الحكومة اللبنانية وعدم قدرتها على نزع سلاح الحزب بالقوة أو بالتوافق. ويضاف لذلك ما لحق بسمعة لبنان ومصداقيته خلال السنوات الماضية، إذ كان العرب والدوليون يسارعون بعد كل وقف لإطلاق النار إلى المبادرة بإعادة الإعمار، وترميم حياة السكان. أما هذه المرة فلن يبادر أحدٌ لذلك، لأنه عبثٌ وتلاعبٌ من الحزب وسادته في طهران. وها هم لا يكتفون بالعبث بلبنان وأمنه، بل ويحاولون فعل ذلك مع دول الخليج أيضاً!

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية