من خلال تقليص بنود إطار «الملاءة المالية الثانية» التنظيمية للتأمين، سيتمكن قادة أوروبا من تقديم الدعم اللازم للولايات المتحدة في مفاوضاتها مع طهران، وسيتخذون الخطوة الأولى نحو تخليص الاقتصاد الأوروبي من هذه البيروقراطية الضارة.
وقد صمم بيروقراطيو الاتحاد الأوروبي تلك الملاءة المالية، وصادق عليها البرلمان الأوروبي عام 2014، وكانت من القضايا التي غذت الحملة الناجحة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أن الحكومات البريطانية بعد الخروج لم تُجر عليها أي تغيير.
ويفرض نظام الملاءة قواعد رأسمالية مرهقة وغير واقعية، مما رفع تكاليف التأمين بشكل كبير على العديد من الأنشطة الاقتصادية الحيوية في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، مثل قطاع الشحن. وقد حدت هذه المتطلبات الصارمة من إمكانية تأمين السفن، التي تبحر في المضيق عند اندلاع النزاع مع إيران، وقد تُعيق حركة الشحن التجاري في المضيق حتى بعد انحسار الأعمال العدائية.وقد واجهت شركات التأمين الأوروبية المتخصّصة في الشحن، بما فيها أعضاء سوق «لويدز أوف لندن» للتأمين الذي يُقدم تأمين مخاطر الحرب للسفن التجارية في مناطق القتال منذ أكثر من 200 عام، صعوبة بالغة بسبب قاعدة «القيمة المعرضة للخطر» في نظام الملاءة المالية الثانية، وهي صيغة معقدة تُلزم شركة التأمين بالاحتفاظ برأسمال كافٍ لتحمل حدث استثنائي يحدث مرة كل 200 عام، بثقة 99.5%، والذي قد يُؤدي إلى إفلاس الشركة.
وقد وصف الخبراء الإطار الزمني البالغ 200 عام بأنه معيار ذاتي وغير مُنتج، لأنه يمنع الشركات من توظيف رأس المال للحد من المخاطر الفعلية طويلة الأجل وقصيرة الأجل. وتشير ورقة بحثية بريطانية إلى أن «احتمالية وقوع حدث ما بنسبة 1 من 200 تتجاوز ما يمكن توقعه بشكل معقول بالنظر إلى الذاكرة الحية التي تمتد من 60 إلى 80 عاماً، والذاكرة العاملة التي تمتد من 20 إلى 40 عاماً».
وتمتلك شركات التأمين ضد مخاطر الحرب خبرة واسعة تراكمت عبر أربعة عقود جعلتها تدرك كيفية تسعير المخاطر. وخلال حرب ناقلات النفط الإيرانية العراقية، التي استمرت لسنوات في ثمانينيات القرن الماضي، هاجمت الدولتان المتحاربتان أكثر من 400 سفينة تجارية في الخليج العربي. وارتفعت أقساط التأمين إلى خمسة أضعاف لتعكس ازدياد المخاطر، لكن «التجارة استمرت، لأن التأمين ضد مخاطر الحرب نفسه لم ينسحب تماماً من السوق»، حسبما يوضح المعلق المالي الهندي أديتيا سينها.
وعلى النقيض، وفي غضون ساعات من بدء عملية «الغضب الملحمي» أواخر فبراير، بدأت شركات التأمين بإلغاء وثائق التأمين للسفن العابرة لمضيق هرمز، مما أدى إلى انخفاض عدد السفن التي تعبر المضيق خلال الأيام التالية. ولأن هذا حدث قبل وقت طويل من إعلان الحكومة الإيرانية إغلاق المضيق في مارس الماضي، أشار العديد من المراقبين إلى أن توجيهات الملاءة المالية الثانية كانت الدافع الرئيسي وراء إلغاء التغطية التأمينية.
ويترتب على عدم الامتثال لتوجيهات الملاءة المالية الثانية عواقب وخيمة على شركات التأمين، بما يشمل غرامات باهظة وفقدان ترخيص العمل.
كما أشار جيم بيانكو، الاستراتيجي الاستثماري المقيم في شيكاغو، إلى المفارقة المتمثلة في أن توجيهات «الملاءة المالية الثانية» تُؤجج الأزمة العالمية بدلاً من منعها، موضحاً أنه رغم أن توجيهات هذا النظام صُممت خصيصاً لمنع حدوث أزمة مالية في قطاع التأمين من خلال فرض معايير رأسمالية صارمة، وإلزام شركات التأمين بالانسحاب من التغطية التي وُجدت لتوفيرها، والحماية من مخاطر الحرب والمخاطر السياسية، إلا أن هذه القواعد قد تُؤدي إلى أزمة اقتصادية أوسع نطاقاً.
وتلعب توجيهات الملاءة المالية الثانية دوراً مشابهاً في إغلاق مضيق هرمز كما فعلت متطلبات المحاسبة بالقيمة السوقية خلال الأزمة المالية عام 2008، عندما أجبرت لوائح المحاسبة الأميركية البنوك على تسجيل خسائر أكبر على الورق للرهون العقارية أكبر من الخسائر الفعلية، مما أدى إلى خسائر نظامية متتالية.
في هذه الحالة، ربما يكون سبب انتشار العدوى هو رؤية إيران للانسحاب الأولي للسفن غير المؤمن عليها من المضيق، والذي فرضه «نظام الملاءة المالية الثانية»، ما دفعها لاتخاذ إجراءات إضافية لعرقلة استخدام المضيق. وطالما بقيت هذه اللوائح التأمينية الأوروبية سارية، فقد تستمر في تقويض العمليات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها لاستعادة السيطرة على المضيق من إيران وإعادة حركة الملاحة البحرية، إذ لا يزال من غير الواضح في ظل أي ظروف أو إطار زمني يمكن لشركات التأمين الوفاء باحتياطيات رأس المال غير الواقعية التي تُطلب مرة واحدة كل 200 عام.
لذا، يتعين على هيئات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة المكلّفة بإنفاذ نظام الملاءة الثانية تخفيف العبء التنظيمي الذي يُثقل كاهل السفن وشركات التأمين التابعة لها على الفور. ومن بين الإجراءات التي يمكن اتخاذها تمديد المواعيد النهائية لجمع رأس المال اللازم، وإلغاء العقوبات المفروضة على عدم الامتثال لقواعد رأس المال للشركات التي تؤمن السفن، ووضع مسار لتحرير جميع قطاعات التأمين بشكل دائم من قيود نظام الملاءة الثانية.ومن المرجح أن يتطلب حل الأزمة في مضيق هرمز اتخاذ العديد من الإجراءات الاستراتيجية الدقيقة في التعامل مع النظام الإيراني. ولكن لكي يصبح المرور عبره سلساً تماماً، يجب على أوروبا أن تتخلى عن قيودها التنظيمية الثقيلة في التأمين على السفن.
*مدير السياسات المالية في معهد المشاريع التنافسية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


