يُعد إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ أيام عن تأجيل أمرها التنفيذي بشأن تشديد الرقابة الحكومية على نماذج الذكاء الاصطناعي بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس من نهجها المتقلب تجاه هذه التقنية. فقد اقترحت الإدارة في البداية معاقبة الولايات التي تفرض لوائح سلامة الذكاء الاصطناعي دون أي بديل فيدرالي. ثم اقترحت نظامَ تدقيق فيدرالياً يمنع نشر النماذج التي تُعتبر غير آمنة، قبل أن تتراجع سريعاً عن ذلك. وفي الوقت نفسه، وبينما كانت وزارة الحرب الأميركية تُزيل نموذج «أنثروبيك» من حواسيبها، قامت وكالة الأمن القومي بتثبيته في شبكاتها السرية.
ولو كان المجلس التشريعي يعمل بفاعلية، لكان بإمكانه تنظيم هذه الفوضى قانونياً، دون إعاقة تطوير الذكاء الاصطناعي الأميركي بتنظيم لوائح مفرطة قد تمنح الصين مفاتيح القرن الـ21.
ومع ذلك، لا يُعد سن القوانين المتعلقة بالتكنولوجيا أمراً بديهياً بالنسبة للكونجرس. فعلى سبيل المثال، ناقش المجلس بشكل عاجل تدابير لحماية الأطفال من أضرار الإنترنت منذ أواخر التسعينيات. وأصبح هؤلاء الأطفال بالغين لديهم الآن أطفال من دون حماية.
وقد تركّز النقاش في مبنى الكابيتول الأميركي على كيفية تخفيف التنظيم الفيدرالي لمخاطر التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، بدءاً من المخاطر الشائعة، كالتحيز التمييزي أو انتهاك الخصوصية، وصولاً إلى الأخطار الكارثية، مثل نشر مخططات لصناعة أسلحة بيولوجية. إلا أن النقاش أغفل مشكلة جوهرية، وهي عجزنا عن تنظيمه فعلياً.
أي أن القوانين التقليدية لن تتمكن من احتواء مخاطر الذكاء الاصطناعي بفاعلية. فالغموض الوظيفي للشبكات العصبية الاصطناعية، الذي يوصف غالباً بمشكلة «قابلية التفسير»، يحِدُّ من فعالية اختبارات الذكاء الاصطناعي وتقييمه. وبينما تستطيع مختبرات الذكاء الاصطناعي تخفيف بعض المخاطر عبر تعديل الخوارزميات وأوزان النماذج وبيانات التدريب، فإنها لا تستطيع التنبؤ بكل النتائج أو تفسيرها. وقد يفرض المنظمون ضوابط لمنع وكيل ذكاء اصطناعي مثلاً من تفريغ ملايين الحسابات المصرفية، لكن مجرماً محترفاً، يستطيع غالباً بمساعدة الذكاء الاصطناعي، خداع النموذج لكسر القيود.
ولا يمكن التوقع بأن يُلغي الكونجرس تلك المخاطر بالتشريعات. فقد اقترح العديد من الزملاء خطوات أولية جيدة، مثل سن قوانين فيدرالية مماثلة للمتطلبات التي أُقرت في كاليفورنيا، والتي تُلزم مطوري النماذج الرائدة بنشر بروتوكولات السلامة، والتقييمات المستقلة، ونتائج الاختبارات. لكن هذه اللوائح المتواضعة لا تُطمئن كثيراً، نظراً لمحدودية موثوقية اختبار النماذج.
وهناك نهج أفضل للتدخل الحكومي، ولا يكمن في التنظيم، بل في وجود جهة تحكيم، إذ تضع الجهة التنظيمية بشكل استباقي مجموعة من قواعد السلامة، وتشترط على أي منتج أو خدمة استيفاءها للوصول إلى الأسواق الأميركية. أما جهة التحكيم، فتُقيم الوضع الراهن في قطاع ما، وتُحدد المنتجات الأكثر أماناً، التي تُحدد بدورها المعيار الذي يحصل بموجبه جميع المشاركين في السوق على موافقة جهة التحكيم أو عقوبتها.
وسيحفز وجود جهة تحكيم بشأن مسائل الذكاء اصطناعي التنافس على أعلى مستويات الأمان في هذا القطاع الواعد، مستغلاً الدافعين الأساسيين لكل شركة عملاقة في مجال الحوسبة السحابية، وهما: سحق منافسيها وتجنب المسؤولية القانونية.
وأقدم مشروع قانون لتمكين مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي التابع لوزارة التجارة من تحديد أفضل ممارسات السلامة في القطاع ضمن أي فئة محددة من المخاطر، وتحديد النماذج الرائدة التي حققت هذه الممارسات. وتحصل نماذج الذكاء الاصطناعي للشركات على الحماية الفيدرالية، أي الحماية من المسؤولية بموجب قانون الولاية لفئة محددة من المخاطر، إذا استوفت أو تجاوزت معايير المركز لأفضل ممارسات القطاع في مجالات الأمن السيبراني والسلامة البشرية والخصوصية، وغيرها.
ويبدو هذا النهج أكثر ملاءمة لتكنولوجيا سريعة التطور من فرض معايير تنظيمية جامدة وثابتة. فكلما دفعت المنافسة المطورين إلى تحسين سلامة النماذج، سيرفع المركز سقف معاييره ليعكس أحدث الممارسات. ويجب أن يضمن أي تشريع أيضاً توفير حماية قوية للمبلغين عن المخالفات داخل المركز، وإقامة ضوابط تمنع التأثير السياسي، لا سيما في ظل الإدارة الحالية، حفاظًا على نزاهة المؤسسة.
وستلتزم الوكالات الأخرى بصلاحياتها، وسيستمر الحذر العام في دفع حكام الولايات والمشرعين إلى تشديد الرقابة على شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، مما سيزيد من حافز الشركات للالتزام بمعايير السلامة التي وضعها المركز لتجنب تطبيق القوانين الجديدة. وستظل الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، مثل مديري صناديق الاستثمار المشتركة وشركات تصنيع الأدوية والبنوك، خاضعةً للوائح نفسها التي تُركّز على النتائج، الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والبورصات وإدارة الغذاء والدواء ومؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية، بغض النظر عن الأدوات التي تستخدمها.ولا يقضي هذا النهج على مخاطر الذكاء الاصطناعي، ولن يقدر أي قانون على ذلك. ولكنه يُقر بأنه في غياب مرجعية شاملة، نحتاج إلى مزيد من المعرفة حول اختبار النماذج وتقييمها قبل تنظيم المخاطر بفعالية. وحتى ذلك الحين، يعتبر أفضل أمل هو وضع قواعد واضحة تُحفّز القطاع الخاص بقوة على القيام بما تعجز عنه الحكومة: أي جعل الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً.
*نائب «ديمقراطي» عن الدائرة الـ 16 في كاليفورنيا بمجلس النواب الأميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


