في كوكب يختنق بالبلاستيك، ويعاني الاحترار، ويتكبد خسائر فادحة جراء تداعيات التغيُّر المناخي، يأتي اليوم العالمي للبيئة (الخامس من يونيو)، ليذكر جميع سكان الكوكب بأن بيئة الأرض جزءٌ لا يتجزأ من حياتنا، وأصل مادي وثقافي وتراثي متجذر في الحضارة البشرية.
اليوم العالمي للبيئة لعام 2026 يركز على تغيُّر المناخ، وعلى إشارات عاجلة يرسلها كوكب الأرض، مع التركيز في الوقت نفسه على الإشارات التي يتعين على البشر إرسالها لحماية البيئة ضمن حملة عالمية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، تحث خلالها الجميع على التحرّك، والمضيّ قدماً في العمل من أجل المناخ.
-
إيريك سولهايم
أسباب التفاؤل
وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أكد إيريك سولهايم، الدبلوماسي النرويجي والمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة خلال الفترة من 2016 إلى 2018، أن هناك أسباباً وجيهة للتفاؤل في هذا اليوم العالمي للبيئة، ذلك لأن الطاقة المتجددة تنتشر في جميع أنحاء العالم. والطاقة الشمسية أصبحت هي أرخص أنواع الطاقة، والتحول إلى السيارات الكهربائية يحدث بسرعة كبيرة. سولهايم، الذي شغل أيضاً منصب وزير التنمية الدولية ووزير البيئة في النرويجي، ونائب الأمين العام للأمم المتحدة، أوضح أن التحول في قطاع الطاقة يزداد قوة بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لأن جميع الدول ترغب في أن تكون مستقلة في مجال الطاقة.
-
وحدة للطاقة الشمسية في ولاية أوكلاهوما الأميركية
واستضافت أذربيجان في العاصمة باكو فعاليات اليوم العالمي للبيئة 2026 في إطار شراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الفعالية أقيمت تحت شعار «مستلهمين من الطبيعة ومن أجل المناخ ومن أجل مستقبلنا».
أذريبجان التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة تنتج النفط منذ عام 1847 وتضم عدة منشآت نفط وغاز قديمة تعود للحقبة السوفييتية معرضة لتسربات الميثان، وهو أحد القوى المسببة لتغيُّر المناخ. لكن في عام 2024، أطلقت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية ما وصفه قادتها بجهد تقني عالٍ لإلغاء انبعاثات الميثان تقريباً بالكامل خلال عقد من الزمن، وتلك خطوة مشجعة للدول المنتجة للبتروكيماويات الأخرى في جنوب أوروبا وآسيا الوسطى. مزارع الرياح والمصفوفات الشمسية بدأت تظهر في جميع أنحاء أذربيجان التي تبذل جهداً لتحويل البلاد إلى قوة طاقة متجددة.
تفاؤل وحذر
كل عام، ينتج العالم أكثر من 400 مليون طن من البلاستيك، وهو ما يكفي لملء أكثر من مليون شاحنة نفايات! تخيل أن هذا الكمية تتسرب إلى المحيطات والمدن. لكن مساحات التفاؤل تتسع بالمزيد من التحول في قطاع النقل والطاقة والمدن المستدامة، حيث تمتدّ الألواح الشمسية فوق أسطح المباني، وتصطفّ توربينات الرياح على الأفق، وتُعادُ تصميم المدن لتكون أكثر ملاءمةً للناس، وتُعاد زراعة الغابات. كما بدأت نقاط التحوّل الإيجابية تتجذّر في كل ركن من أركان الكوكب.
حماية البيئة لا تعني فقط حماية الطبيعة، بل تتضمن خطوات للتحول في قطاعات متنوعة للحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
صناعة الفرص
وحسب تقرير صدر في يناير 2025 لمجموعة بوسطن الاستشارية، فإن معالجة تغيُّر المناخ تخلق فرصاً قد تصل قيمتها إلى 11 تريليون دولار بحلول عام 2040. الدول التي تتخذ إجراءات مبكرة يمكنها أن تصنع نفسها للنمو. وثمة أربعة قطاعات للاستثمار تتضمن: المعادن الحرجة المستخدمة في تقنيات الطاقة المتجددة، التقنيات الخضراء، والمواد الصناعية الخضراء، والخدمات الخضراء.
وحسب بيانات التقرير، يحتاج الاقتصاد العالمي إلى نسخ من المعادن الخالية من الكربون، وكذلك المواد الكيميائية الأساسية، والبلاستيك، والزجاج، والسيراميك، وغيرها من المواد الصناعية. وستحتاج أيضاً إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر للنقل والصناعة والطاقة. حالياً، تشكل المواد الصناعية الخضراء جزءاً صغيراً من إجمالي السوق: فقط 500 مليار دولار من أصل 2 تريليون دولار. ومع ذلك، ومع اتباع الدول مساراً نحو صافي الصفر بحلول عام 2050، من المتوقع أن ينمو سوق المواد الصناعية الخضراء إلى 1.2 تريليون دولار بحلول عام 2030، و3.6 تريليون دولار بحلول عام 2040.
فنيو التبريد
ويلفت برنامج الأمم المتحدة للبيئة الانتباه إلى أنه في اليوم العالمي للبيئة (5 يونيو)، غالباً ما يتحول الاهتمام إلى الغابات والمحيطات والحياة البرية. ومع ذلك، فإن أحد أقوى الروافع التي غالباً ما يتم تجاهلها لحماية البيئة يكمن في أيدي فنيي التبريد والتكييف. من ممارسات التركيب والصيانة والصيانة السليمة إلى تدابير كفاءة الطاقة، يُعَد قطاع التبريد خطاً أمامياً حيوياً في حماية كل من طبقة الأوزون والمناخ.
الأشجار وسط المحاصيل
احتفلت الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية ببداية يوم البيئة العالمي بعرض فيلم «كل المزيد من الأشجار» في سينما فاندوم التاريخية. يستكشف الفيلم الوثائقي كيف يمكن للزراعة الحراجية – وهي زراعة الأشجار وسط المحاصيل – أن تعيد النظم البيئية، وتواجه تغيُّر المناخ، وتعزز إنتاج الغذاء. وخلال الحدث، ناقش مدير الأشجار آرني فوكيتين، والمزارع يانيك شونهوفن، وأستريد شوماكر، السكرتيرة التنفيذية لاتفاقية التنوع البيولوجي، كيف يمكن لدمج الأشجار في الزراعة أن يخلق «جزر أمل» في عالم يتعمق تغيُّر المناخ.
-
بياتريس غارسيا
فرصة لرصد الانجازات
وفي تصريح خاص لـ «الاتحاد»، أكدت بياتريس غارسيا، أستاذ مشارك في القانون، المتحدثة الرسمية لشؤون الاستدامة في جامعة السوربون أبوظبي، أن اليوم العالمي للبيئة فرصة للتوقف والتأمل، ليس فقط في التحديات التي نواجهها، بل أيضاً في الإنجازات والممارسات التي أثبتت فعاليتها على أرض الواقع. وأضافت «غارسيا»
أن هذه المناسبة تسلط الضوء على الإنجازات البيئية، وتمنحها مساحة أكبر من الظهور. واستنتجت أنه عندما يرى الطلبة أن جامعتهم حصدت جائزة وطنية في المجال البيئي (جائزة الشيخ حمدان بن زايد البيئية)، أو أن زملاءهم فازوا بمسابقة للأمن الغذائي (تحدّي الجامعات في الأمن الغذائي والاستدامة)، الذي تنظمه جامعة الإمارات العربية المتحدة، بدعم من «مصدر» و«إي دي إف»، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاستدامة ليست مشروعاً جانبياً في الجامعة، بل جزء أساسي من هويتها ورسالتها. ومن الصعب خلق هذا النوع من الإلهام في يوم عادي، بينما يوفر اليوم العالمي للبيئة فرصة جماعية لتوحيد الجهود وتعزيز هذا الوعي.
وأوضحت غارسيا جانباً من إنجازات جامعة السوربون أبوظبي خلال العام الماضي في مجال الاستدامة، حيث كان العام الماضي من أكثر الأعوام نشاطاً على صعيد الاستدامة في الجامعة، وأود أن أسلط الضوء على عدد من الإنجازات الرئيسية. وأوضحت أنه على مستوى الأثر البحثي، استكملنا نتائج الدراسة الخاصة بإدارة النفايات المنزلية التي كلفتنا بها هيئة البيئة – أبوظبي. وأسفر المشروع عن إعداد خريطة تفاعلية تضم 1500 موقع لإعادة التدوير والتبرع في مختلف أنحاء أبوظبي، بالإضافة إلى وضع خطة تدخل سلوكي قائمة على أسس علمية، ساهمت بشكل مباشر في دعم حملة وطنية للتوعية العامة حول إعادة التدوير. ويُعد هذا مثالاً واضحاً على قدرة البحث العلمي على التحول إلى سياسات عملية ومبادرات مجتمعية مؤثرة.
وفي مجال المحيطات، قالت غارسيا: «شاركنا في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة للمحيطات الذي عُقد في مدينة نيس الفرنسية، حيث قدمنا أبحاثاً حول الروبوتات الحيوية المستخدمة في مراقبة التنوع البيولوجي البحري، ما عزز حضور جامعة السوربون أبوظبي على الساحة الدولية في مجالي علوم البحار والتكنولوجيا. كما شاركنا في تنظيم عدد من المؤتمرات الدولية الكبرى، من بينها مؤتمرات تناولت موضوع إزالة الكربون من قطاع الشحن البحري والتنوع البيولوجي البحري بالتعاون مع مركز آسيا والمحيط الهادئ لقانون البيئة التابع للجامعة الوطنية في سنغافورة، إضافة إلى مؤتمرات ركزت على الذكاء الاصطناعي والروبوتات البحرية من أجل الابتكار والاستدامة».
أما على مستوى العمليات التشغيلية داخل الحرم الجامعي، تقول غارسيا: «نجحنا، رغم ارتفاع أعداد الطلبة بنسبة 30%، في خفض استخدام المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام، وزيادة كميات النفايات الغذائية التي يتم تحويلها إلى سماد عضوي. وخلال (ساعة الأرض) في مارس 2026، تمكنَّا من توفير 637 كيلوواط ساعة من الطاقة خلال ساعة واحدة فقط، وهو مؤشر بسيط لكنه ملموس على أثر العمل الجماعي». وعلى المستوى المؤسسي، أضافت غارسيا: «أطلقنا في أكتوبر 2025 أول استراتيجية للاستدامة حتى عام 2030، والتي وفّرت لأول مرة إطاراً طويل الأمد يوجِّه جهودنا في هذا المجال».
سرب الأسماك الروبوتية
وفي تصريحها الخاص لـ«الاتحاد»، قالت غارسيا: «نفخر بحصول الدكتورة جوليا دي ماسي، عضو الهيئة الأكاديمية في جامعة السوربون أبوظبي، على تكريم ضمن جائزة الشيخ حمدان بن زايد البيئية، في فئة «مشروع البحث البيئي»، بصفتها أحد الباحثين الرئيسيين الثلاثة في مشروع H-SURF (السرب غير المتجانس من الأسماك الروبوتية تحت الماء)، المموَّل من معهد الابتكار التكنولوجي (TII) والمنفَّذ في جامعة خليفة خلال الفترة من نوفمبر 2020 إلى يناير 2025.
-
جوليا دي ماسي تتوسط فيديريكو ريندا وسيزار ستيفانيني الحائزون على جائزة «الشيخ حمدان بن زايد البيئية» عن فئة «مشروع البحث البيئي».
وقد قاد المشروع كل من الباحثين الرئيسيين الدكتورة جوليا دي ماسي، (جامعة السوربون أبوظبي)، د. فيديريكو ريندا (جامعة خليفة)، ود. سيزار ستيفانيني (جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي)، الذين يواصلون تعاونهم البحثي الفاعل في المبادرات العلمية الحالية والمستقبلية».
وحسب غارسيا، يُعَد مشروع H-SURF نظاماً روبوتياً جماعياً مستوحى من الطبيعة، تم تصميمه للتغلب على التحديات والقيود التي تواجه المركبات التقليدية ذاتية التشغيل تحت الماء (AUVs) عند العمل في البيئات البحرية المعقدة والمتغيرة. وأوضحت غارسيا أن الدكتورة جوليا دي ماسي قادت تطوير منظومة الذكاء الاصطناعي والذكاء الجماعي التي يعتمد عليها السرب الروبوتي، ما ساهم في تعزيز قدرته على العمل والتنسيق بفعالية في البيئات البحرية المختلفة.
وعن بحوث الاستدامة، أشارت غارسيا إلى أنه بين عامي 2020 و2024، أنتجت الجامعة 123 بحثاً مرتبطاً بالاستدامة. فقد استُشهد بأبحاثنا في العديد من الوثائق والسياسات الرسمية، كما أن مشاريع مثل دراسة إدارة النفايات بالتعاون مع هيئة البيئة – أبوظبي، وأبحاث معهد المحيطات حول الحمض النووي البيئي (eDNA) والصوتيات الحيوية، تعالج تحديات حقيقية تواجه دولة الإمارات ومنطقة الخليج.
وأضافت: «في مجال بناء القدرات، تُعد مبادرة مؤتمر الأطراف للشباب (SUAD Youth COP) مثالاً بارزاً على ذلك، حيث جمعت طلبة من آسيا والأميركيتين وأفريقيا وأوروبا للمشاركة في محاكاة لمفاوضات الأمم المتحدة بشأن المناخ، وهي تجربة تسهم في إعداد جيل جديد من القادة البيئيين».
حشد الطاقات الإبداعية وصناعة الحلول
في يوم البيئة العالمي رسائل عديدة لبناء الوعي، سواء من المؤسسات الأكاديمية أو جمعيات النفع العام، بخطوات عملية لحماية البيئة وتشجيع العمل المناخي في المجتمعات، فرصة لحشد الطاقات الإبداعية من أجل صناعة الحلول والانتقال العادل والمنظم والمسؤول في القطاعات الانتاجية كافة، ليبدأ العالم بزراعة تحافظ على البيئة، وتنتج غذاء صحياً، وصناعة تعتمد على الطاقة النظيفة، وتجارة تمنع تداول المواد الضارة بالبيئة، واقتصاد دائري يحمي الموارد.. خطوات تبدأ من الفرد بسلوكيات يومية تمنع هدر الطعام، وتختار الأقل تلويثاً في النقل والغذاء والسكن والملابس.. لنبدأ الآن من أجل مستقبل مستدام.
-
ليلى عبداللطيف
استراتيجية 2030
وفي تصريح خاص لـ «الاتحاد»، أكدت ليلى مصطفى عبد اللطيف، المدير العام لجمعية الإمارات للطبيعة، أن اليوم العالمي للبيئة فرصة للتذكير بأن الحفاظ على البيئة ليس مجرد شعار أو مبدأ نلتزم به بل يتطلب خطوات عملية تجعل الناس أكثر ارتباطاً وتفاعلاً مع الطبيعة، باعتبارها أصلاً من الأصول الثابتة التي تعود بالمكاسب المادية للجميع. وأضافت أن «الإمارات للطبيعة» جمعية خيرية بيئية تعمل بالتعاون مع الصندوق العالمي للطبيعة، أعلنت استراتيجية جديدة لعام 2030، تشكّل خريطة طريق وطنية للحفاظ على البيئة، وتعزيز مرونة المجتمع، ودعم مصادر الدخل المستدامة. الاستراتيجية تعكس تطور مفهوم حماية البيئة في الإمارات من مجرد حماية الموارد الطبيعية إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الأمن الغذائي والمائي، وتمكين المجتمع من مواجهة التحديات المتسارعة، ومنها التغيُّرات المناخية.
قدرة المجتمعات على الصمود
وعن جهود الحفاظ على البيئة كمسار لتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، سواء في مواجهة ارتباط سلاسل التوريد أو الكوارث الطبيعية وأيضاً التغيُّرات المناخية، أوضحت ليلى عبداللطيف أنه على مدى خمسة وعشرين عاماً، كرّست «الإمارات للطبيعة» جهودها لخدمة هذا الوطن، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن قوة دولتنا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة أراضينا ومياهنا والحياة البرية التي تزخر بها، مؤكدة أن دولة الإمارات نموذج في المرونة والقدرة على التكيُّف، وقد أثبتت ذلك مراراً وتكراراً. وهذه المرونة ذاتها، المتجذرة في مزارعنا وسواحلنا ومجتمعاتنا هي ما تسعى استراتيجيتنا إلى ترسيخه وتعزيزه. ونحن نمضي نحو هذه المرحلة الجديدة بكل تواضع وعزم وفخر بما نبنيه معاً هنا في دولة الإمارات. تتمثل رؤية جمعية الإمارات للطبيعة في تمكين الأفراد من حماية الطبيعة، وبناء مجتمعات أكثر مرونة، والمساهمة في تطوير مصادر دخل واقتصادات مستدامة.
وترتكز استراتيجية 2030 الجديدة، على أربعة محاور استراتيجية رئيسية: الطبيعة والحياة الفطرية، والأمن الغذائي والمائي، والعمل المناخي، والمرونة والاستعداد للمستقبل. كما تعتمد على إشراك المجتمعات المحلية بعمق، وتعزيز المشاركة المجتمعية في العلوم والعمل التطوعي، إلى جانب توسيع شبكة الشراكات مع الجهات الحكومية وقطاع الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني.
وفي سعيها لتنفيذ الاستراتيجية الجديدة ستركز الجمعية- حسب ليلى عبداللطيف- على مواضيع ذات أولوية وهي حماية الطبيعة وتجديدها من خلال صون وإحياء النظم البيئية والتنوع البيولوجي، وتسريع العمل المناخي عبر دعم مسارات التنمية منخفضة الكربون ودمج حلول المناخ والطبيعة في السياسات والممارسات، وتحفيز المجتمعات ومصادر الدخل المرنة عبر تطوير نماذج مبتكرة يقودها المجتمع وتدعم المشاريع الإيجابية للطبيعة والفرص الاقتصادية المستدامة.
وتولي الاستراتيجية اهتماماً خاصاً بما يتم إنتاجه وزراعته واستعادته داخل دولة الإمارات، بدءاً من إحياء المزارع الجبلية التراثية وأنظمة الري التقليدية «الأفلاج»، وصولاً إلى استعادة مناطق الصيد الساحلية، والحفاظ على النظم البيئية لأشجار القرم في مختلف إمارات الدولة. وهي استراتيجية تتجذّر في الحاضر، وتُحلّق نحو المستقبل، من خلال الاستثمار في المجتمعات المحلية، والمناظر الطبيعية، والمعارف التقليدية، والإرث الثقافي.
وتتوافق الاستراتيجية مع أولويات مجلس وزراء دولة الإمارات، بما في ذلك الأمن الغذائي الوطني، ورفاهية المجتمع، وتعزيز القدرة على تجاوز التحديات بقوة أكبر. وقد صُممت لتحقيق أثر ملموس ومستدام داخل الدولة. وتفخر جمعية الإمارات للطبيعة بكونها جزءاً من حراك وطني متنامٍ يدرك أهمية الأسرة والمجتمع المدني والقطاع غير الربحي كشركاء أساسيين في مسيرة التنمية في دولة الإمارات.
تجربة «الرمس»
وعلى أرض الواقع، تعمل الجمعية مع شركائنا الاستراتيجيين على تعزيز دور الأسرة والمجتمع في كل أنشطتها، فعلى سبيل المثال أطلقنا بالتعاون مع مجلس الإمارات للتنمية المتوازنة مبادرة «بناء مجتمعات مرنة»، بهدف تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، وترسيخ الاستدامة في منطقة الرمس، وهي إحدى أقدم المجتمعات الساحلية وأكثرها ثراءً من حيث الإرث الثقافي في إمارة رأس الخيمة. ويعمل مشروع الرمس على تحويل هذه المنطقة التاريخية إلى نموذج قابل للتكرار للحياة المستدامة والسياحة البيئية، بما يتيح تطبيقه وتوسيع نطاقه في مختلف أنحاء دولة الإمارات.
ويجسِّد المشروع رؤية مشتركة لتطوير نموذج للتنمية الريفية يحافظ على الطبيعة والتراث الثقافي، وفي الوقت نفسه يخلق فرصاً اجتماعية واقتصادية مستدامة وذات أثر ملموس للمجتمعات المحلية. كما تندرج المبادرة ضمن برنامج «قرى الإمارات»، الذي يهدف إلى تعزيز جودة الحياة، ودعم التنمية المستدامة في القرى الإماراتية.
ويرتكز المشروع على تنفيذ تقييمات بيئية قائمة على أسس علمية، وإعداد مخطط رئيسي طويل الأمد للسياحة البيئية يضمن حماية المقومات الطبيعية والثقافية للمنطقة. كما يشمل تصميم وتنفيذ مسار بيئي يربط بين الجبال والمزارع والبحيرة الساحلية، إلى جانب دعم رواد الأعمال المحليين لتطوير تجارب سياحية مستندة إلى الطبيعة والتراث الثقافي، مع إشراك المجتمع المحلي بصورة فاعلة في جهود الحفاظ على البيئة وصون الموارد الطبيعية. ويمثِّل مشروعنا في الرمس نموذجاً عملياً لكيفية مساهمة النظم البيئية الطبيعية في تحقيق فوائد بيئية واجتماعية واقتصادية مستدامة على المدى الطويل. ومن خلال الجمع بين البحث العلمي والتطبيق العملي على أرض الواقع، يحوِّل المشروع المقومات الطبيعية والثقافية للمنطقة إلى فرص واعدة للسياحة البيئية، وريادة الأعمال المحلية، والمشروعات المجتمعية التي يقودها المواطنون.
تقنيات متقدمة لحماية البيئة
وعن ريادة الإمارات في الذكاء الاصطناعي كمحفز جديد على توظيف التقنيات في حماية البيئة، أكدت ليلى عبداللطيف أن ريادة دولة الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي تُعَد حافزاً مهماً لتسريع توظيف التقنيات المتقدمة في حماية البيئة والحفاظ على التنوع البيولوجي. واستنتجت مديرة «الإمارات للطبيعة» أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على دعم الابتكار الاقتصادي، بل أصبح أداة فعالة لتعزيز العمل البيئي القائم على البيانات والنتائج القابلة للقياس، وتعمل الجمعية على توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الرصد والتقييم وإدارة المشاريع البيئية. وقالت: «قمنا بتطوير لوحة رقمية متكاملة للرصد تجمع بيانات الاستعادة البيئية في منصة موحدة، تشمل معدلات بقاء الأشجار، وكثافة الغطاء النباتي، ومؤشرات تعافي التنوع البيولوجي، ما يتيح تحويل البيانات الميدانية إلى معلومات دقيقة تدعم اتخاذ القرار وتحسين إدارة المشاريع، وقد ساهم ذلك في تحقيق نتائج ملموسة، من بينها رفع معدلات بقاء أشجار القرم في كلباء من 39% إلى 96%، وزيادة معدلات البقاء في أم القيوين إلى 80% بعد تطبيق حلول هيدرولوجية مناسبة».
-
جانب من أنشطة حماية الطبيعة ضمن برنامج «قادة التغيير»
وأضافت ليلى عبداللطيف: «نوظف الذكاء الاصطناعي في رصد التنوع البيولوجي على نطاق واسع، حيث تمكن المتطوعون من خلال برنامج (قادة التغيير) من جمع أكثر من 100 ألف نقطة بيانات خلال أربع سنوات عبر تطبيق iNaturalist الذي يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التعرف على الأنواع المختلفة من الكائنات الحية. كذلك يتم تحليل آلاف الصور الملتقطة بالكاميرات الميدانية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنواع النادرة، ومنها ثعلب بلانفورد، إضافة إلى استخدام برمجيات متخصصة للتعرف على أنواع الخفافيش من خلال أصواتها. وتؤكد هذه النماذج أن الذكاء الاصطناعي أصبح شريكاً أساسياً في العمل البيئي، ليس فقط من خلال رفع كفاءة الرصد وجمع البيانات، بل أيضاً عبر توفير معلومات علمية تدعم السياسات الوطنية، وجهود الحفاظ على الطبيعة».



