في تاريخ الأمم خصال كثيرة تصنع المجد، غير أن الشجاعة تبقى الخصلة التي تحرس جميع الخصال، وقد وعى العرب هذه الحقيقة منذ قرون طويلة، فجعلوا الشجاعة في مقدمة الفضائل، وعدّوها السياج الذي يحفظ الدولة والمجتمع، وكانوا يعدّون الجبن سبباً للفناء، والشجاعة سبباً للبقاء، وحين قال زهير بن أبي سلمى: «ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهدم»، كان يعبّر عن قانون سياسي، فالدولة التي تملك إرادة الدفاع عن نفسها تفرض احترامها، والدولة التي تتهاون في حماية أمنها ومصالحها تفتح المجال أمام الآخرين لفرض إرادتهم عليها.
ومن يقرأ تاريخ الصراع بين العرب والفرس يدرك أن القضية كانت دائماً قضية سيادة وقرار شجاع. فقد مثّلت معركة القادسية التاريخية لحظة عربية حاسمة لإقامة الدولة ذات السيادة. واليوم تتكرر الفكرة بأدوات مختلفة. فـ«نظرية أم القرى» لمحمد جواد لاريجاني، المنبثقة من مشروع ولاية الفقيه، تقوم على أن إيران هي مركز الإقليم.
وتحمل هذه النظرية طموحاً واضحاً لإحلال النفوذ الفارسي في المنطقة بصيغة أيديولوجية جديدة. وباسمها تدخلت طهران في عدد من الدول العربية، وسعت إلى التأثير في قراراتها وبناء ميليشيات تدين بالولاء لمشروعها الإقليمي على حساب سيادة الدول الوطنية. ويفسر ذلك جانباً مهماً من الاستهداف الذي تعرضت له الإمارات. فالإمارات تحوّلت إلى قصة نجاح عربية استثنائية في الدولة الوطنية والتنمية والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا ونهوض الإنسان، وأصبحت قوة مؤثرة في بناء الاقتصاد العالمي وصاحبة قرار مسموع وحضور وازن. جاء هذا التميّز الإماراتي في منطقة استنزفتها الحروب، وأرهقتها الانقسامات، وعانت طويلاً من الفوضى والتبعية وعبثية مشاريع «الإخوان» الإرهابية ونظام الملالي والتيارات المتطرفة. بينما غرقت دول في الأزمات والصراعات واستنزاف الموارد، كانت الإمارات تبني وتنجز، وتقدم نموذجاً حضارياً وتنموياً ملهماً في المنطقة.
إلى ذلك تجلّت الشجاعة الإماراتية في موقفها الحاسم من الجماعات المتطرفة، التي سعت إلى استغلال الدين لتحقيق أهداف أيديولوجية. فعلى الرغم من حملات التحريض والهجوم التي تعرضت لها، تمسكت الإمارات برفض تسييس الدين واستغلاله في الصراعات، إذ يراهن المتطرفون على الفوضى. والإمارات تراهن على التنمية والاستقرار، هم يستثمرون في الأزمات. والإمارات تستثمر في حفظ الدولة الوطنية وسيادتها. ويقدم التاريخ دروساً متكررة في هذا المجال، فالمشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود، والمشروعات التي تقوم على العنف وتصدير الأفكار تتحرك وفق منطق القوة وموازين الاستقطاب. لذا ظلّت القوة والردع الأداة الأكثر فاعلية في كبح المشاريع المتطرفة العابرة للحدود، لأنها تضع حدوداً واضحة للطموحات الأيديولوجية وتمنعها من التمدد وإحداث الفوضى. وقد لخّص ثيوسيديدس هذه الحقيقة بقوله: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما يُفرض عليهم». ولقد أدركت دولة الإمارات هذه المعادلة مبكراً، فاختارت بناء القوة إلى جانب بناء التنمية، وترسيخ الردع إلى جانب ترسيخ الازدهار. ولذلك نجحت في حماية تجربتها التنموية وصيانة منجزاتها الوطنية، وفي الوقت نفسه حافظت على دورها دولةً داعمة للاستقرار الإقليمي.
يضيق أصحاب المشاريع الفاشلة ذرعاً بالإمارات لأنها تقدم نموذجاً ناجحاً للدولة القوية المستقرة، بينما هم يعيشون على استثارة الصراعات والإنجازات الوهمية، ولذلك جُنّدت الجيوش الإلكترونية، وتدفقت حملات التشويه، وحاولت أبواق الدعاية إلصاق كل أزمة بالإمارات. فهم يريدون دولاً ضعيفة ومنهكة. أما الدولة القوية صاحبة القرار المستقل، فتمثل عقبة أمام طموحاتهم وحاجزاً أمام مشاريعهم. غير أن هذه الحملات المعبرة عن الطموحات الزائفة تصطدم بحقيقة راسخة، فالإمارات واثقة من نفسها، قوية بقرارها ومنجزاتها.
ويمثل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، نموذج القائد الذي يدرك طبيعة التحديات والأخطار التي تواجه المنطقة ويواجهها بثبات وحكمة. فهو قائد قوي، واضح في قراراته، راسخ في مواقفه، مقاتل من أجل وطنه، مهاب الحضور، بنى قوة عسكرية إماراتية مهيبة أصبحت محط أنظار العالم بكفاءتها العالية وجاهزيتها المتقدمة، وظهر ذلك جلياً في نجاحها الكبير في التصدي للعدوان الإيراني الغاشم وكبح تعدياته. هكذا أصبحت الشجاعة الإماراتية عنواناً في القيادة والسياسات، الإمارات واضحة في تحالفاتها، صريحة في الدفاع عن مصالحها، وملفاتها فوق الطاولة، ترفض الابتزاز، وعصية على التهديد، لأن قرارها بيد قيادة تعرف حجم التحديات ولا تتهيب المبادرات، وتستند إلى شعب يؤمن بوطنه ويلتف حول قيادته ومنجزاته والإقبال على صناعة الحاضر والمستقبل.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


