منذ أكثر من أربعة عقود، لم يكتفِ النظام الإيراني بالاستيلاء على السلطة، بل استولى على تعريف إيران نفسها. لم يكتفِ بإدارة الدولة، بل أعاد تشكيل هويتها وفق مشروع أيديولوجي ضيق، صادر أصوات الملايين من أبنائها، واختزل بلداً متعدد الشعوب والثقافات واللغات في رواية رسمية واحدة تتحدث باسم الجميع من دون أن تمثل الجميع.
هذه هي المعضلة الأساسية التي تعيشها إيران اليوم. فالأزمة ليست اقتصادية وسياسية فقط، وليست مرتبطة بالعقوبات أو الصراعات الإقليمية فحسب. الأزمة الأعمق هي أزمة هوية. أزمة دولة تحاول فرض تعريف واحد على مجتمع لم يكن يوماً أحادياً ولن يكون كذلك مهما بلغت أدوات القمع التي يُشهرها في وجه شعبه أولئك الذين يدّعون أنهم آيات الله العظمى، وهم في حقيقتهم لا يعظمون إلا سلطتهم وعروشهم.
حين يتحدث النظام الإيراني عن «الشعب الإيراني»، يبدو وكأن إيران كيان متجانس يتحدث بصوت واحد ويفكر بطريقة واحدة ويحمل هوية واحدة. لكن الواقع مختلف تماماً، فإيران ليست دولة قومية بالمعنى الضيق الذي يحاول النظام تقديمه، بل هي فسيفساء واسعة من الشعوب والثقافات واللغات التي تعايشت على هذه الأرض عبر قرون طويلة.
واللافت أن هذه الحقيقة تنعكس حتى في أعلى هرم السلطة.
فالخميني، مؤسس النظام والمجدد لنظرية ولاية الفقيه، هاجرت عائلته من شبه القارة الهندية واستقرت في مدينة خمين الإيرانية. أما المرشد الحالي مجتبى خامنئي، فينتمي إلى القومية الأذرية التركية. لكن المفارقة أن النظام الذي قاده أشخاص ينتمون إلى هذا التنوع، أمضى عقوداً في محاولة طمس التنوع نفسه.
لقد فرض النظام الإيراني أيديولوجيته على الشعب والدولة، لكنه لم ينجح في تغيير حقيقة إيران.
فالفرس هم أكبر مكون سكاني في البلاد، ويمثلون الأغلبية المطلقة. وإلى جانبهم يعيش ملايين الأذريين الذين يُقدَّر عددهم بأكثر من 25 مليون نسمة وفق بعض التقديرات، فضلًا عن الأكراد والعرب والبلوش والتركمان واللور والبختياريين والجيلك والمازندرانيين وغيرهم. هذه ليست أقليات هامشية. إنها شعوب ومجتمعات أسهمت في بناء إيران الحديثة كما أسهمت في بناء إيران التاريخية. لكن نظام ولاية الفقيه الديكتاتوري تعامل معها بوصفها ملفاً أمنياً أكثر من كونها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
الأذريون ما زالوا يواجهون قيوداً تتعلق باستخدام لغتهم وثقافتهم في المجال العام. والأكراد خاضوا لعقود طويلة صراعاً من أجل الاعتراف بحقوقهم الثقافية والسياسية. أما عرب خوزستان، الذين يعيشون فوق واحدة من أغنى المناطق النفطية في البلاد، فما زال كثير منهم يشعرون بأنهم غرباء في دولة يفترض أنها دولتهم. والبلوش، الذين يعيشون في واحدة من أفقر مناطق إيران، يجمعون بين التهميش الاقتصادي والتهميش السياسي والمذهبي في آنٍ واحد.
ولا يحتاج القمع دائماً إلى الدبابات والسجون حتى يكون قمعاً. فهناك نوع آخر أكثر هدوءاً وأطول أثراً: محو الهوية.
عندما تُدفع لغة بأكملها إلى الهامش، وعندما تُمنع ثقافة من التعبير الحر عن نفسها، وعندما يشعر جيل كامل أن لغته الأم لا مكان لها في الفضاء العام، فإن النتيجة ليست مجرد تراجع ثقافي، بل شعور عميق بالاغتراب داخل الوطن.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل. إنها ذاكرة جماعية. إنها تاريخ وقصص وأغانٍ وأمثال وتقاليد متوارثة عبر أجيال. وعندما تُضعف الدولة هذه الروابط أو تتعامل معها باعتبارها تهديداً، فإنها لا تُضعف جماعة بعينها فقط، بل تُضعف النسيج الوطني كله.
والمشكلة أن نظام ولاية الفقيه لم يكتفِ بفرض سلطة سياسية مركزية، بل سعى إلى احتكار تعريف الهوية الوطنية نفسها. فأصبحت الوطنية تُعرَّف وفق رؤية السلطة، والانتماء يُقاس بمدى القرب من أيديولوجية ولاية الفقيه، فيما تُعامل الهويات الأخرى بريبة مستمرة.
لقد رفعت «الجمهورية الإسلامية» شعار تمثيل جميع المسلمين، لكنها فشلت حتى اليوم في تمثيل جميع الإيرانيين. وهنا يظهر الفرق بين الدولة التي تثق بنفسها والدولة التي تخشى مجتمعها.
فالدول الواثقة لا ترى في التنوع تهديداً، بل مصدر قوة. أما الأنظمة الأيديولوجية فتتعامل مع التنوع باعتباره مشكلة يجب احتواؤها أو السيطرة عليها. ولهذا السبب لم ينظر النظام الإيراني إلى التعددية الثقافية واللغوية بوصفها ثروة وطنية، بل باعتبارها تحدياً سياسياً وأمنياً.
وفي الجهة المقابلة من الخليج العربي، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً ناجحاً في التعامل مع التنوع الإنساني والثقافي.
فالإمارات تضم اليوم أكثر من مئتي جنسية وإثنية وخلفية ثقافية تعيش وتعمل جنباً إلى جنب ضمن إطار قانوني ومجتمعي مستقر. وفي شوارع هذا الوطن الحبيب، يمكن للمرء أن يرى هذا التنوع حاضراً في المدارس وأماكن العمل ودور العبادة والمجال العام.
التجربة الإماراتية أثبتت أن الاعتزاز بالهوية الوطنية لا يتطلب محو الهويات الأخرى، وأن الدولة القوية لا تحتاج إلى فرض التجانس بالقوة حتى تحافظ على وحدتها.
في إيران، يقوم النموذج على مركزية أيديولوجية إسلاموية متطرفة تحدد من الأعلى شكل الهوية المقبولة وحدودها. أما في الإمارات، فهناك هوية وطنية واضحة وراسخة، لكنها لا تقوم على إلغاء الآخرين أو مطالبتهم بالتخلي عن خصوصياتهم الثقافية.
وهذا هو جوهر الفارق. وهو واحد من أهم أسباب حسد نظام ولاية الفقيه تجاه الإمارات وشعبها وازدهارها.
فالنظام الإيراني لم يسرق السلطة من الإيرانيين فحسب، بل سرق منهم حقهم في تعريف أنفسهم. سرق حق الفارسي في أن يكون إيرانياً معتزاً بفارسيته من دون أن تُصادَر هويته لصالح ثيوقراطية لا تمثله، وسرق حق الأذري في أن يكون آذرياً من دون شكوك، وحق الكردي في أن يكون كردياً من دون اتهامات، وحق العربي في خوزستان أن يعتز بعروبته من دون أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة أمنية، وحق البلوشي في أن يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق لا مواطن على الهامش.
إن أزمة إيران ليست أزمة تعدد. فالتعدد كان موجوداً قبل أن تحط طائرة الخميني في طهران قادمةً من فرنسا، وسيبقى بعدها. الأزمة الحقيقية هي في نظام لا يزال يعتقد أن الوحدة تتحقق عبر الإلغاء، وأن الاستقرار يتحقق عبر الهيمنة، وأن الولاء يُفرض من الأعلى بدلاً من أن يُبنى عبر العدالة والمواطنة المتساوية.
بعد أكثر من أربعة عقود، لم يعد السؤال كم من الوقت يستطيع النظام الإيراني الاستمرار في إدارة هذا التناقض. السؤال الحقيقي هو: كم من الوقت يمكن لدولة متعددة الشعوب والثقافات أن تُحكم بعقلية تنكر هذا التنوع؟
فإيران ليست وجهاً واحداً، وليست صوتاً واحداً، وليست هوية واحدة. إنها وطن يضم عشرات الملايين من البشر الذين يختلفون في لغاتهم وثقافاتهم وأصولهم، لكنهم يشتركون في حق أساسي واحد: أن تُعرف هوياتهم كما هي، لا كما تريد السلطة أن تكون.
وحين يحدث ذلك فقط، ستبدأ إيران باستعادة نفسها من النظام الذي صادرها لعقود طويلة.
*مستشار برلماني