في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، وتزداد فيه حدّة المواجهات بين القوى الكبرى، تبرز أهمية تنوُّع مصادر التعاون وبناء التحالفات القائمة على تبادل المصالح والتعاون فيما يحقق الخير للجميع، من هذه الزاوية لفت انتباهي مشاركة معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، في «منتدى أوراسيا الاقتصادي» الذي أقيم قبل أيام في أستانا عاصمة جمهورية كازاخستان.
وعلى الفور شرعتُ في البحث عن معلومات أكثر عبر الشبكة العنكبوتية عن منطقة أوراسيا، لتتكشّف أمامي العديد من الحقائق المذهلة، فمساحة أوراسيا تمتد من السواحل الشرقية لآسيا، وصولاً إلى شبه الجزيرة الإيبيرية في الغرب، ومن الجزر البريطانية في الشمال الغربي إلى المحيط الهندي في الجنوب، وتمتد بحارها من البحر المتوسط إلى بحر الصين، كممرات رئيسية للتجارة، كما تتصل بجميع المحيطات الكبرى التي تنقل البضائع والأساطيل حول العالم.
وكما يوحي الاسم، تتكون أوراسيا من الامتداد المدمج لقارتي أوروبا وآسيا، إلى جانب الجُزر الخارجية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأطرافها، وكذلك شمال أفريقيا الذي يرتبط بأوروبا عبر المتوسط، وتُغطي أوراسيا ما يزيد على ثلث مساحة اليابسة في العالم، وتضم نحو 70% من سكانه.
قبل نحو قرنين من الزمان، أطلق عليها العالم البريطاني المتخصص في الجغرافيا السياسية هالفورد ماكندر لقب «جزيرة العالم»، مؤكداً على أهميتها الجيوسياسية، فهي ليست مجرد كتلة يابسة هائلة، بل مركز ثقل العالم، حيث اعتبر ماكندر أن مَن يسيطر على معابرها تمنحه أفضلية في ميزان القوة، والمدهش أن هذه الفكرة ما تزال تحظى بتقدير كبير في التفكير الاستراتيجي العسكري الحديث.
ضرورة فهم الجغرافيا الاستراتيجية لأوراسيا يساعد على قراءة أوضح لمسارات الصراع العالمي اليوم، فالمواجهات الحالية والمعارك الدائرة من أوكرانيا إلى إيران ليست سوى جولة جديدة من لعبة جيوسياسية مستمرة، وبفضل ما تحمله من ثروات طبيعية هائلة وقوة صناعية وعسكرية ضخمة، فإن الصراع على الأراضي الأوراسية لا يزال السمة الحاسمة للسياسة العالمية، وهي الجائزة الاستراتيجية الأهم في الصراع الدولي منذ بدايات القرن العشرين.
ومن الواضح أن نظرية «جزيرة العالم» تركت أثراً فكرياً لا يزال ظلُّه يرافق صراعات الحاضر، من أوروبا الشرقية إلى الخليج ومن أوكرانيا إلى إيران، ومن الممرات البرية إلى المضائق البحرية، فقد أعادت الحرب على أوكرانيا إلى الواجهة أوروبا الشرقية بوصفها معبراً بين أوروبا والداخل الأوراسي، فيما أعادت الحرب على إيران التذكير بأن المضائق، وفي مقدمها هرمز، ليست أقل أهمية من السهول والحدود البرية.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها الإمارات في تجمع دول منطقة أوراسيا، فنيابةً عن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ترأَّس سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، وفداً رفيع المستوى لحضور اجتماع المجلس الاقتصادي الأعلى للاتحاد الأوراسي، الذي انعقد العام الماضي في قصر الاستقلال بالعاصمة البيلاروسية مينسك.
وأكد سموّه في كلمته أمام القادة حرص الإمارات على تعزيز علاقات الصداقة مع دول الاتحاد، والارتقاء بها إلى آفاق جديدة من الازدهار والنمو الاقتصادي المشترك، بما يحقق المصالح المشتركة ويخلق المزيد من الفرص التجارية والاستثمارية لكلا الجانبين.
وبالفعل وقّعت الإمارات آنذاك اتفاقية شراكة مع الاتحاد الاقتصادي، حيث شكّلت الاتفاقية علامة فارقة في العلاقات التجارية، ورفعت حجم التجارة المتبادلة إلى مستوى قياسي ليصل إلى 33.3 مليار دولار عام 2025، بعد أن حققت التجارة الثنائية غير النفطية بين الطرفين نمواً ملحوظاً بنسبة 27% عام 2024.
هذا الزخم تحقق بفعل الاتفاقية التي أزالت الحواجز أمام التجارة، وساهمت في تعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وتقوية سلاسل الإمداد، وتمكين روّاد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة من توسيع نطاق أعمالهم على المستوى العالمي، وتعزيز مسيرة التعاون الاقتصادي بين الجانبين على مدى السنوات الماضية.
وتتطلع الإمارات من خلال اتفاقية الشراكة إلى تعزيز التعاون بين مجتمع الأعمال والمستثمرين وروّاد الأعمال في الدولة ودول الاتحاد، بما يسهم في ترسيخ روابط اقتصادية متينة، ويعكس في الوقت ذاته عمق الصداقة والتعاون البنّاء الذي يجمع الإمارات ودول مجموعة أوراسيا.
اهتمام الإمارات بتعميق علاقتها مع دول أوراسيا يتزامن مع تزايد الاهتمام العالمي بالاتحاد الأوراسي بشكل مطّرد، بفضل إمكاناته الهائلة، وقد انضمت إليه 14 دولة حتى الآن تتمتع بوضع «شريك حوار»، في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يتيح لها فرصة المشاركة في الأنشطة والمشاورات الخاصة بالاتحاد.