لم أتوقّع يوماً أن تأخذني محاضرة علمية إلى منعطف فكري بعيد، كان ذلك عند حضوري محاضرة علمية في «مجلس محمد بن زايد»، بعنوان «الشيخوخة: أسبابها وإمكانية الوقاية منها»، ألقاها البروفيسور ديفيد سنكلير، المتخصّص في علم الوراثة الجزيئية، في كلية الطب بجامعة هارفارد والمختّص في علم الوراثة الجزيئية، كان حديثه علمياً دقيقاً، لكن ما شدّني بالإضافة إلى المحتوى، كان أمراً مختلفاً، ما شدني هو جامع الشيخ زايد الكبير الذي يظهر عبر الواجهة الزجاجية خلف المحاضر، كيف لمحاضرة علمية وجامع أن يكونا في مشهد واحد؟في تلك اللحظة، انصرف ذهني عن تفاصيل الجينات، واتجه إلى سؤال مختلف: كيف يمكن لموضوع علمي حسّاس، كإطالة العمر وتأخير الشيخوخة، أن يُناقش في حرم جامع؟ وكيف وصلت دولة الإمارات إلى هذه المرحلة مع اتساع أفق التفكير، ومناقشة أعقد المسائل العلمية بعيداً عن أي قيود.
هنا تحديداً، تدرك الفكرة الجوهرية: في دولة الإمارات، لا يصطدم العلم بالدين، ولا الدين يُستخدم كحاجز أمام العلم. سقف المعرفة في الدولة لا تحدّه آفاق ضيقة، ولا تحكمه أفكار جامدة، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وإذا ما قلبنا صفحات التاريخ، ندرك أن هذا التوازن لم يكن موجوداً في أغلب الأحيان، فكثير من دور العبادة من شتى الأديان، وفي أزمنة مختلفة، تحوّلت إلى مساحات تحريم بدل أن تكون مساحات نقاش. رجال دين في دول متعددة وقفوا يوماً ضد الكهرباء عند اكتشافها، واعتبروها عبثاً بقوانين الكون، حُرّم المذياع، ثم التلفاز، ثم أجهزة الاستقبال في بيوت الناس، وقيل يوماً إن الإنترنت رجسٌ حديث يجب منعه، لم تكن المشكلة في الدين ذاته، بل في القراءة الضيقة له، وفي الخوف من المجهول، هذا الخوف الذي يدفع لرفض كل جديد بحجة حماية الدين.
ما يميّز التجربة الإماراتية أنها لم تتعامل مع العلوم الجديدة بوصفها تهديداً، بل بوصفها أدوات للنهضة الحضارية، فدخلت مبكراً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية، وأشباه الموصلات، درستها، ونظّمتها، وساهمت في تطويرها، وحوّلت تحدياتها إلى فرص، هذا الحضور المتقدم في علوم المستقبل لم يكن وليد مصادفة، بل ثمرة تراكمات طويلة في مجتمع منفتح، تقوده قيادة رشيدة، ترى الإيجابيات قبل السلبيات، فتصدر قوانين تنظم وتنمي الإيجابيات وتمنع السلبيات.
هنا، يصبح التطور فعلاً اجتماعياً لا قراراً تقنياً فحسب، فمجتمع تعلّم أن يستفيد من كل مجال، وأن يضع له أطراً وأنظمة، هو مجتمع قادر على التقدم دون أن يفقد بوصلته، لذلك لم يكن غريباً أن نرى الإمارات في صدارة سباق الذكاء الاصطناعي، وفي قلب النقاشات العالمية حول مستقبل التكنولوجيا، لأنها ببساطة لم تنتظر حتى تفرض عليها التحولات، بل شاركت في صناعتها.وبالعودة إلى المحاضرة، حين كان البروفيسور يتحدث عن وقف الشيخوخة، أو إبطائها، بدا واضحاً أن للموضوع أبعاداً علمية، وأخرى أخلاقية، وربما دينية أيضاً.
لكن طرح الأسئلة لا يعني كسر الثوابت، والبحث لا يعني التعدي على الإيمان، على العكس، كثير من هذه الدراسات تفتح أبواباً لتحسين جودة حياة الإنسان، وتخفيف معاناته، دون أن تدّعي الخلود أو تتجاوز حدود الفطرة، وحين نعود إلى جوهر الفكرة، ندرك أن البحث في الشيخوخة، ومحاولة فهم آلياتها البيولوجية، ينسجم مع قول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، هنا يدعونا جل في علاه إلى تجاوز المشاهدة السطحية، إلى البحث، والتأمل، وفهم السنن التي أودعها الله في الخلق، هذه السنن نفسها هي ما يحاول العلم الحديث اليوم فك شيفرتها، لتحسين جودة حياة الإنسان، وتخفيف معاناته، وتمديد سنوات عطائه.
*باحث إماراتي


