بعد مرور عام على تولي المستشار الألماني فريدريش ميرتس منصبه، انخفضت شعبيته، وأصبحت حكومته الائتلافية موضع معارضة. واستغل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف حالة السخط الشعبي لزيادة شعبيته في استطلاعات الرأي. ومما زاد الأمر تعقيداً، إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها من ألمانيا، مما يهدد علاقاتها الجيوسياسية الراسخة. لتصبح جميع السمات التي ميّزت ماضي ألمانيا الحديث، من استقرار سياسي، وتماسك اجتماعي، وسياسة خارجية أطلسية، مهددة بالتبدل.
غير أن وراء تلك المشاكل تكمُن مشكلة أعمق. فالاقتصاد الألماني، الذي عُرف بكفاءته ونظامه واستقراره، عصفت به مشكلات كبيرة، لا تقتصر على الأرقام المنخفضة فحسب، فالبلاد تعاني من ركود اقتصادي فعلي منذ ثلاث سنوات، وتعلن شركة عريقة كل أسبوع تقريباً عن تسريح آلاف الموظفين، وتتساءل الصحف المرموقة في مقالاتها عن القطاعات التي لا تزال بإمكانها العمل بكفاءة، وهو ما يكشف مدى حساسية الأوضاع.
والأخطر أن الاقتصاد الديناميكي منح ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية شعوراً بالهوية. فرغم كل عيوبها، كانت قطاعات الدولة تعمل بكفاءة مقارنة بدول أخرى. أما الآن، فقد تغير الوضع، وتتخبط قطاعات الدولة في تشتت. ومع ذلك، فإن الاقتصاد الألماني لا يزال في أفضل صورة ممكنة. وقد لا يُغير ذلك المسار السياسي للبلاد، وبالتأكيد لن يُرضي سخط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنه قادر على قلب موازين الركود واستعادة المرونة الأسطورية للشركات الألمانية.
ورغم التركيز على المشكلات الحالية، فإن قصة صعود الاقتصاد الألماني وتراجعه أقدم بكثير، ففي أوج ازدهاره، قام الاقتصاد الألماني على الضرائب المرتفعة والأجور العالية والبيروقراطية الواسعة، وهي حقيقة ينبغي أن يدركها مَن يرون أن الحل الوحيد للتعافي يكمن في خفض تكاليف ممارسة الأعمال. وأثناء عقود النمو القوي، كان الاقتصاد الألماني يعمل بتناغم تام بين جميع أجزائه وقطاعاته.
وشملت تلك الأجزاء والقطاعات نظاماً تعليمياً يهدف إلى تزويد الشركات بعمالة ذات كفاءة تقنية عالية، ومديرين مدربين كمهندسين أو علماء بدلًا من أن يكونوا متخصصين في مجالات عامة، وبنوكاً وشركات تأمين تمتلك حصصاً ضخمة في الشركات الكبرى وتركز على الأهداف طويلة الأجل بدلًا من الأرباح قصيرة الأجل، وعلاقات عمل مستقرة توفر للعمال وظائف آمنة ذات أجور مجزية، فضلًا عن حق التصويت في القرارات الرئيسية. وساهمت هذه العناصر مجتمعة في التفوق التكنولوجي الذي ارتبط طويلاً بعلامة «صنع في ألمانيا».
لكن عندما حقق الاقتصاد الأميركي تقدماً ملحوظاً في التسعينيات، مدفوعاً بقوة وول ستريت المالية وروح المبادرة الجامحة في وادي السيليكون، نفدت الأفكار الألمانية، ما أدى إلى البحث عن التجديد عبر انفتاح الاقتصاد على رؤوس الأموال الأجنبية، حيث باعت البنوك وشركات التأمين حصصها في الشركات الألمانية. وفي محاولة لاستعادة القدرة التنافسية، أصلحت حكومة غيرهارد شرودر سوق العمل الجامد، وألغت بعض الحمايات التي كان يتمتع بها العمال.
وظاهرياً، ازدهرت ألمانيا خلال العقدين الأولين من القرن الجديد، متجاوزةً الأزمة المالية بشكل أفضل من غيرها، ومتمسكة بقوتها الصناعية. لكن ذلك كان مؤقتاً. فقد باعت شركات صناعة السيارات ملايين السيارات في شرق آسيا، لكنها فشلت في الاستثمار في التحول الضروري إلى السيارات الكهربائية. وتبنت شركات ألمانية أخرى أيضاً نفس النهج بتجنب المخاطرة مع نظرة قصيرة الأجل. وما أبقى استمرار الأرباح هو مزيج من الغاز الروسي زهيد التكلفة، والسوق الصينية المزدهرة، ونظام التجارة الحرة متعدد الأطراف بقيادة الولايات المتحدة. لكن ذلك النظام دمرته السياسات الحمائية الأميركية، والمنافسة الصينية، وتأثير الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه النكسة لا تعني بالضرورة نهاية المطاف، فبإمكان الدولة الألمانية إعادة هيكلة نموذج أعمالها، وإعادة تأهيل العناصر الناجحة للنظام القديم لمواجهة بيئة معادية جديدة. وهناك ثلاثة مجالات رئيسية يجب التركيز عليها.
أولًا، التمويل: فقد أصبحت العديد من الشركات الألمانية مملوكة لمستثمرين أجانب، كما استحوذت شركات الأسهم الخاصة أو جهات خارجية على بعض شركات «ميتلشتاند» العائلية المتوسطة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد. ورغم أن تركيز المستثمرين على النتائج المالية قد يكون مفيداً، فإنه تجاوز الحد، بينما تحتاج الشركات إلى دعم مستقر يتيح التخطيط طويل الأجل.
ثانياً، التعليم: لطالما وفر نظام التعليم المهني المزدوج في ألمانيا العمالة الماهرة التي تحتاجها الصناعة من خلال الجمع بين الدراسة والتدريب في مواقع العمل. إلا أن هذا النظام يعاني اليوم نقصاً في المتقدمين بسبب التراجع السكاني واتجاه مزيد من الشباب إلى مسارات مهنية أخرى. كما يعاني طلاب المدارس الثانوية تراجعاً في الرياضيات والعلوم الطبيعية، وهما من أبرز مجالات التفوق الألماني التقليدي. ولا تستثمر البلاد بالقدر الكافي في التعليم أو في دعم التميز العلمي والتكنولوجي الذي يحتاجه الاقتصاد. لذا يجب إحياء المشاريع البحثية الطموحة الماضية التي تجمع جهود الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
ثالثاً، سوق العمل: لقد أصبحت دولة الرفاه في ألمانيا باهظة التكاليف، وسيحتاج الألمان إلى العمل لساعات أطول ولسنوات أكثر للحفاظ عليها. ومع ذلك، ينبغي السعي إلى إحداث تغييرات بروح «الشراكة الاجتماعية»، وهي علاقات العمل القائمة على التوافق. وبينما لا تستطيع ألمانيا استعادة مكانتها الثمينة المفقودة، تحتاج اليوم إلى رؤية واضحة لاقتصاد لا يزال ثالث أكبر اقتصاد في العالم، وإلى استثمارات ذكية، ودعم حكومي، واستعادة الثقة بقدراتها الاقتصادية للعودة إلى مسار الازدهار.
*صحفي وكاتب ألماني
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


