بين الحين والآخر تظهر أصوات تحاول أن تنال من الرموز الوطنية أو تُقلِّل من شأن الشخصيات التي صنعت تاريخ الأوطان وأسهمت في نهضتها.

غير أن التاريخ يُعلّمنا أن العظماء لا تصنعهم الكلمات العابرة، ولا تهزّ مكانتهم تصريحات طارئة، لأن مكانتهم الحقيقية راسخة في وجدان الشعوب وفي سجلِّ الإنجازات التي تركوها للأجيال. لذا، ليست كل الشخصيات سواءً في سجلِّ التاريخ، فهناك من يمرّون عابرين في ذاكرة الزمن، وهناك من يتحوّلون إلى علامات فارقة في مسيرة الأمم، ورموز تتجاوز حدود الجغرافيا لتُصبح جزءاً من الوعي الإنساني العالمي. ومن هذه القامات الاستثنائية يبرز المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بوصفه واحداً من أبرز القادة الذين نجحوا في تحويل الحلم إلى واقع، والصحراء إلى دولة عصرية، والموارد إلى مشروع حضاري متكامل يقوم على الإنسان أولاً.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يبقى اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاضراً بوصفه رمزاً وطنياً استثنائياً، والحديث عنه لا يدور حول مؤسِّس دولة فحسب، بل حول رجل دولة امتلك رؤية استشرافية سبقت زمنها، وأدرك منذ البدايات أن بناء الأوطان لا يتحقق بالثروة وحدها، بل بالإنسان والعلم والقيم. ولهذا جاءت تجربته السياسية والإنسانية نموذجاً فريداً في المنطقة والعالم، حتى غدا اسمه مقترناً بالحكمة والاعتدال والعطاء والتسامح. لقد كان الشيخ زايد صاحب مشروع وحدوي استثنائي، ففي الوقت الذي كانت فيه مشاريع الوحدة العربية تتعثر أمام الخلافات والصراعات، استطاع أن يؤسِّس مع إخوانه الحكام دولة الاتحاد، وأن يحوّل هذا الكيان الوليد إلى واحدة من أكثر الدول استقراراً ونجاحاً وتأثيراً في العالم. ولم يكن الاتحاد بالنسبة إليه قراراً سياسياً عابراً، بل إيماناً راسخاً بأن قوة الإنسان الخليجي والعربي تكمن في وحدته وتضامنه.

ولم تتوقف بصماته عند حدود الإمارات، بل امتدت إلى مختلف أنحاء العالم. فقد عُرف بمواقفه الإنسانية الثابتة تجاه الشعوب المتضررة من الحروب والكوارث والمجاعات، وساهم في دعم مشروعات التنمية والإغاثة في عشرات الدول، من آسيا إلى أفريقيا ومن العالم العربي إلى أبعد بقاع الأرض. ولذلك لم يكن احترام العالم له نابعاً من مكانة اقتصادية أو نفوذ سياسي فحسب، بل من تقدير حقيقي لرجل جعل العمل الإنساني جزءاً أصيلاً من فلسفة الدولة التي أسّسها. ولم يتردد في تسخير الإمكانات السياسية والاقتصادية لخدمة القضايا العربية العادلة. كما عُرف بمواقفه الحكيمة في أوقات الأزمات، حيث كان صوتاً للعقل والتوازن والحوار، مؤمناً بأن الاستقرار والتنمية والسلام هي الطريق الأمثل لصناعة مستقبل أفضل للشعوب.

ومن أبرز ما يميّز تجربة الشيخ زايد أنه لم يبنِ دولة مزدهرة فحسب، بل أسّس نهجاً أخلاقياً في القيادة. فقد كان قريباً من الناس، يستمع إليهم، ويشاركهم همومهم، ويرى في خدمتهم أعظم مسؤولياته. ولذلك بقي حاضراً في ذاكرة المواطنين والمقيمين وكل من عرف تجربته أو تأمّلها، ليس بوصفه حاكماً فقط، بل بوصفه أباً ومعلّماً وصانع أمل. ولهذا فإن القامات التاريخية من طراز الشيخ زايد لا تنال منها الكلمات العابرة، ولا تؤثِّر فيها محاولات الانتقاص أو التشويه، لأن مكانتها لا تستمد قيمتها من رأي فرد أو موقف عابر، بل من حقائق راسخة تشهد لها الإنجازات.

فالدول التي تُبنى بالحكمة تبقى، والمشروعات الحضارية التي تُقام على خدمة الإنسان تُخلَّد، والرجال الذين يغيّرون مجرى التاريخ يظلون أكبر من أن تختزلهم إساءة أو تطالهم حملة عابرة. وهكذا، كلما حاول البعض استحضار الضجيج، استحضر التاريخ الحقيقة، وحقيقة الشيخ زايد أكبر من أن نكتبها، لأنها مكتوبة في وطنٍ صنعه، وفي شعبٍ أَحبَّه، وفي احترامٍ عالمي اكتسبه بعمله وإنسانيته ومواقفه التي لم تتغير أمام المصالح أو الظروف.

*رئيس قسم اللغة العربية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.