يُتهم الجيل زد (الفئة الديموغرافية لمواليد الفترة ما بين 1997 إلى 2012) بأنه جيل مُدلل، ومنعزل اجتماعياً، ومهووس بالهواتف الذكية إلى حد أفسده، وشديد الحساسية. ويمكن الآن إضافة تهمة جديدة إلى لائحة الاتهامات الموجهة إليه. فقد بدأ المنتقدون يوبخون هذا الجيل، الذي يواجه أصلاً تحديات كبيرة تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة بسبب اعتماده على تناول الطعام خارج المنزل، واستخدام تطبيقات توصيل الطعام بدلاً من إعداد وجباته في المنزل.

ربما يعود ذلك إلى الكسل، فالكثيرين يشترون الطعام الجاهز لأنه كان الخيار الأسهل بعد يوم طويل ومرهق. لكن من المفيد التساؤل عما إذا كان هناك عامل آخر وراء هذه الظاهرة، وتحديداً نقص التدريب. فعلى مدى العقدين الماضيين، اختفت إلى حد كبير حصص الاقتصاد المنزلي من مناهج التعليم الثانوي. ولذلك ليس من المستغرب أن يفتقر أبناء الجيل زد إلى الثقة داخل المطبخ.

لكن من غير الواضح كيف حدث ذلك. فبينما قد يبدو من السهل الافتراض أن مادة الاقتصاد المنزلي اختفت لأنها أصبحت قديمة الطراز أو رجعية، فإن الواقع مختلف تماماً. فرغم أن جذور الاقتصاد المنزلي تعود إلى ما قبل الحرب الأهلية الأميركية، فإن فكرة وجود «علم» لإدارة شؤون المنزل لم تنتشر فعلياً إلا في أواخر القرن الـ 19، عندما بدأ عدد متزايد من النساء المصلحات بالترويج لهذا التوجه. وكانت إيلين سوالو ريتشاردز رائدة في هذا المجال، إذ أصبحت أول امرأة تتخرج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وحصلت على شهادتي البكالوريوس والماجستير في الكيمياء.

وكانت تعتبر نفسها من الأشخاص المؤمنين بالعلم كحل شامل، وسعت إلى وضع إدارة شؤون المنزل على أسس عقلانية ومنهجية. وفي عام 1899، نظمت أول مؤتمر من سلسلة مؤتمرات في نيويورك للترويج للمفهوم. وقد عرفت هذه المؤتمرات الاقتصاد المنزلي تعريفاً واسعاً شمل الطهي والتنظيف وتربية الأطفال والخياطة، إلى جانب موضوعات أكثر حداثة مثل التغذية والصحة العامة. وعكست ضرورة تدريس هذه المواضيع، بدلاً من مجرد تعلمها من الوالدين داخل العائلة، قلقاً متزايداً من وصول المجتمع إلى نقطة حرجة نتيجة التوسع الحضري والتصنيع والهجرة غير المنضبطة.

وكما صرحت ريتشاردز عام 1908، فإن الاقتصاد المنزلي «يعتبر بمثابة جهد لإنقاذ نسيجنا الاجتماعي من التفكك الذي يبدو حتمياً». وبعد عشر سنوات، أقر الكونجرس قانون سميث-هيوز، الذي وسع التمويل الفيدرالي للتعليم المهني، وتولى دفع رواتب المعلمين الذين سيتولون تدريس ورش العمل والاقتصاد المنزلي. وأحدث الدعم الفيدرالي ثورة في مجال الاقتصاد المنزلي، وجعله مادة أساسية في المدارس الحكومية. وتوقع خبراء الاقتصاد المنزلي بأن كل جيل من خريجي الصف الثامن ودورات الاقتصاد في المرحلة الثانوية سيساهم في زيادة المنازل التي يتمتع فيها الأطفال بفرص أفضل للبقاء على قيد الحياة والتمتع بصحة جيدة. وتزامن هذا الزخم مع توسع كبير في نظام التعليم الثانوي سواء للفتيان أو الفتيات.

فبين عامي 1900 و1950، ارتفعت نسبة المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً والملتحقين بالمدارس الثانوية ارتفاعاً هائلاً من نحو 10 إلى 76%. حيث تحول الاقتصاد المنزلي من حركة اجتماعية إلى مادة دراسية أساسية. في البداية، كانت الفتيات الغالبية العظمى من الطلاب، مما يعكس الأدوار الجندرية التقليدية. لكن لا يحجب ذلك حقيقة أن الاقتصاد المنزلي يعتبر مجالاً يُمكن للمرأة أن تُمارس فيه مهنة ما، فتصبح باحثة أو مُدرسة أو أستاذة جامعية، حيث كانت معظم الجامعات الحكومية تُقدّم برامج أكاديمية متخصصة. وبفضل الدعم الفيدرالي وتزايد أعداد النساء الحاصلات على تعليم جامعي والراغبات في تدريس المادة، أصبح الاقتصاد المنزلي جزءاً طبيعياً من مرحلة المراهقة. فمن الذي قضى إذن على الاقتصاد المنزلي؟ ويُلقي أحد التفسيرات باللوم على الحركات النسوية التي برزت في ستينيات القرن الماضي، والتي رفضت الأدوار النمطية الضيقة المرتبطة بهذا المجال.

إلا أن الاقتصاد المنزلي ظل يجذب الطلاب خلال ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها، مع تزايد أعداد الذكور المهتمين. لكن خلال تلك الفترة، شهد التعليم الثانوي تحولاً جذرياً. ففي مواجهة صعود اليابان وعجز النظام التعليمي الأميركي الظاهر عن المنافسة، كلفت إدارة ريجان بإعداد تقرير لتشخيص المشكلة وتقديم حلول لها. ونُشر التقرير بعنوان «أمة في خطر» عام 1983 ليقدم رؤية تستخف بقيمة التعليم المهني عموماً، والاقتصاد المنزلي خصوصاً.

وأشار إلى أنه «عدة مدارس تحتسب الوقت المُخصص لتعلم الطهي والقيادة ضمن متطلبات شهادة الثانوية العامة بقدر الوقت المُخصص لدراسة الرياضيات أو اللغة الإنجليزية أو الكيمياء أو تاريخ الولايات المتحدة أو الأحياء». ودعا التقرير إلى التركيز المكثف على المواد الأكاديمية الأساسية اللازمة للنجاح الجامعي، مع تهميش التعليم العملي ووضعه في مرتبة ثانوية. وحتى عام 2002، لم يكن عدد طلاب الاقتصاد المنزلي في المدارس الثانوية قد انهار بعد.

لكن ذلك العام شهد أيضاً إقرار قانون «عدم ترك أي طفل خلف الركب»، الذي تأثر بنتائج التقرير. وقد ربط هذا القانون التمويل بنتائج الاختبارات، مما منح المدارس حافزاً قوياً للتخلي عن المواد الاختيارية التي لا تسهم في رفع درجات الطلاب. بفضل هذه «الإصلاحات» وغيرها، نعيش اليوم في عالم يدرس فيه طلاب المرحلة الثانوية مقررات جامعية متقدمة في التفاضل والتكامل والكيمياء، لكنهم لا يعرفون كيف يُعدون عجة البيض، أو يُغيرون زيت السيارة، أو يُخيطون زراً.صحيح أن إعادة مادة الاقتصاد المنزلي لن تحل جميع تلك المشكلات، لكن تجديد الاهتمام بالمهارات العملية قد يساعد الأجيال المقبلة على التعامل مع تحديات الحياة اليومية، وربما يقلل أيضاً من اعتمادهم على تطبيقات توصيل الطعام التي أصبحت ملاذهم الأول.

*أستاذ التاريخ في جامعة جورجيا، مؤلف مشارك لكتاب «اقتصاديات الأزمات: دورة مكثفة في مستقبل التمويل».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»