نحتاج أحياناً إلى النظر لأنفسنا بعيون الغرباء، كي نتذكر هويتنا ونقدّر قيمة ما نملكه. وتظهر مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي سيّاحاً أجانب قدموا إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم، الذي استضافته، بالاشتراك مع كندا والمكسيك، وهم منبهرون بجوانب الحياة الأميركية التي اعتاد الأميركيون اعتبارها من المُسلمات.
وكما ذكرت صحيفة «جابان تايمز»، يكتشف الزائرون من مشجّعي كرة القدم الثقافةَ الأميركيةَ المميزةَ التي تشمل متاجر تعمل على مدار الساعة، وتعبئة المشروبات الغازية مجاناً، وأجنحةَ الدجاج المغموسة في صلصة الرانش، وحفاوةَ الاستقبال من الأميركيين. أما مشجّع الكرة الألماني فريدي، الذي أصبح حديث الجميع، فقد حظي باستقبال حماسي يضاهي الترحيبَ بـ«نيل أرمسترونغ» عند عودته من القمر، إذ حصل هو وأصدقاؤه على جولة خاصة في وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، برفقة رائدة الفضاء آن ماكلين، كما دخلوا كبسولة «أوريون» التي دارت حول القمر في أبريل الماضي.
وعندما يضع الأميركيون السجادةَ الحمراء للزوّار، فإنهم يفعلون ذلك بشكل استثنائي. وفي وقتٍ تتأثر فيه علاقات واشنطن حتى مع أكثر القادة الأوروبيين قُرباً منها، يبدو من الرائع أن يتفاعل العالمُ مع الأميركيين الحقيقيين ويستمتع بكرم ضيافتهم، وأن يتذكر الأميركيون أيضاً كيف ينظر إليهم العالَم. ولطالما تجاهلت الاتهامات غير المنطقية، والتي تزعم أن الأميركيين معادون للأجانب، تفاصيلَ صغيرةً، مثل حقيقة أن أميركا تستقبل سنوياً قرابة مليون مواطن أميركي جديد بعد حصولهم على الجنسية الأميركية.
فهل يمكن لبلد يعادي الأجانب أن تَستقبل فيه فرقةُ جامعة كانساس الموسيقية منتخبَ الجزائر بعزف نشيده الوطني؟ وهل كان سكان بوسطن سيقيمون احتفالات مشتركةً بين جماهير اسكتلندا الزائرة، المعروفة باسم «جيش الترتان»، والجالية الهايتية؟ وهل كانت مدينة بروفيدنس في ولاية رود آيلاند ستُرحِّب بمنتخب غانا برفع علم بلاده فوق مبنى البلدية وتنظيم حفل موسيقي في إحدى الحدائق المجاورة؟
يقول يحيى العوضي، وهو طالب طب مصري في دولة الإمارات العربية المتحدة يَحضر مباراة في سياتل، لصحيفة «غلوب آند ميل» الكندية: «لم يتغير الأميركيون. ولطالما كانوا مرحِّبين بالزوار، وربما أصبحوا أكثر ودّاً الآن، مع انطلاق كأس العالم». ومن اللافت أن أغلب سياح كأس العالم يُعدَّون من الميسورين مادياً. فأسعار التذاكر تبدأ نظرياً من 140 دولاراً للفرد، لكنها ترتفع لتبدأ الآن من 900 دولار في مواقع إعادة البيع.
كما أن السفر جواً إلى الولايات المتحدة لم يكن يوماً بسعر زهيد، حتى قبل أن تؤدي زيادة تكاليف وقود الطائرات إلى رفع أسعار التذاكر أكثر. وهذا فضلاً عن تكاليف الفنادق والتنقل والطعام والهدايا التذكارية وغيرها. ومع ذلك، فإن هؤلاء الزوّار يُبدون انبهارَهم بحجم الثراء الأميركي، وهو ما قد يفسِّر سببَ شعور بعض الأميركيين بأن أوروبا تبدو أكثر ثراءً، رغم أن الإحصاءات تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في أفقر الولايات الأميركية يفوق نظيرَه في دول أوروبية عديدة.
فالثروة الأميركية ظاهرة للعيان بطُرق تبدو للأميركيين عادية ومألوفة. وتتجلى الثروة الأميركية في أمور معتادة مثل منازل أكبر، وضواحٍ مترامية الأطراف، وسيارات أضخم، وطرق سريعة أوسع.. لكنها تتضح أيضاً في جوانب غير متوقعة، مثل نوافير المياه المنتشرة في كل مكان، ودورات المياه العامة المجانية، وأجهزة تكييف الهواء التي تغطِّي المساحات الواسعة، وأكواب الماء المثلّج المجانية عند الجلوس في المطاعم، ورقائق التورتيلا والصلصة المجانية في المطاعم.
وتوجد في أوروبا متاجر صغيرة ملحقة بمحطات الوقود، لكنها لا تُضاهي حجم وتنوع الخدمات التي تقدمها سلسلة «باكيز» الشهيرة مثلاً. ولم تكن الولايات المتحدة بحاجة لبناء أي ملاعب جديدة لاستضافة كأس العالم، فملاعب دوري كرة القدم الأميركية الـ11 المستخدمة هي ملاعب كبيرة من الطراز الأول.
ومن الرائع رؤية مشجّعي كوراساو وألمانيا يُعجبون بملعب «إن آر جي»، الذي أُعيدت تسميته «ملعب هيوستن» لكأس العالم. لكن الحقيقة أن سعته 72 ألف مقعد، أي أنه ليس حتى من أكبر الملاعب الأميركية. ويوجد في هذا البلد ثمانية ملاعب تتسع لأكثر من 100 ألف متفرج، ولم يُستخدم أيٌّ منها في كأس العالم لأنها ملاعب كرة قدم جامعية، بعيدة للغاية عن المدن الكبرى ومراكز النقل. ومن الطبيعي أن يشعر الأميركيون بالاستياء من ارتفاع أسعار الوقود نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقد انخفض المتوسط الوطني أخيراً إلى أقل من 4 دولارات للغالون، لكن هذا السعر لا يزال مرتفعاً، مقارنة بسعر 3.22 دولار للغالون قبل عام. ومع ذلك، يُعد البنزين الأميركي زهيدَ الثمن، مقارنة بالمعايير الأوروبية، ففي 18 يونيو، تراوح متوسط سعر غالون البنزين في أوروبا بين 5.88 دولار في مالطا و10.49 دولار في الدنمارك .
صحيح أن الولايات المتحدة تعاني من مشكلات كبيرة، مثل ارتفاع معدلات الفقر والجريمة، وارتفاع عدد المشرّدين، وعقبات كثيرة أمام تحقيق «الحلم الأميركي».. لكنها ما زالت البلد الذي يخاطر الناس بحياتهم للوصول إليه عبر قوارب متهالكة تجتاز أميالاً من البحار المليئة بأسماك القرش، أملاً في عيش نسختهم الخاصة من «الحلم الأميركي». وعندما يزورها الأجانبُ لحضور بطولة كروية، فإنها تمنحهم تجربة لا تُنسى.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


