في عام 1999، سُئل لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة، عن أكثر الابتكارات تأثيراً خلال الألفية الماضية، فجاءت إجابته: تكييف الهواء. وكان يرى أنه غير حياة السكان في دولته الاستوائية، وفي جميع المناطق الحارة، بل وجعل قيام الحضارة الحديثة ممكناً. وقد لا تكون بريطانيا جزيرة استوائية، لكنها بدت كذلك الأسبوع الحالي. فقد سجلت البلاد أكثر أشهر يونيو حرارة على الإطلاق، بينما لا تزال شهور الصيف في بدايتها. وستشهد الأسابيع المقبلة موجات حر مماثلة، كما ستتكرر أشهر كهذه خلال السنوات القادمة. وأصبحت أجزاء من المنازل والعديد من أماكن العمل في بريطانيا غير صالحة للعيش لفترات أطول فأطول من كل عام.

ولا يمكن للبريطانيين الاستمرار في النوم على الأريكة في الطابق الأرضي بقية حياتهم. إذ أن تغير المناخ حقيقة واقعية، وبريطانيا، مثل بقية أوروبا، مضطرة إلى التكيف معه. ويجب أن يبدأ ذلك بتغيير نهجها المتشدد وغير المنطقي تجاه أجهزة تكييف الهواء. فمعظم دول شمال غربي أوروبا ليست مستعدة إطلاقاً لعالم تصبح فيه موجات الحر أمراً اعتيادياً لا استثنائياً. فمنذ صيف عام 2003 الكارثي، الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 30 ألف شخص في أنحاء القارة، أصبحت أوروبا تعلم أن الحر قد يكون قاتلاً. ومع ذلك، اختار الاتحاد الأوروبي عدم التكيف، رغم أن البيانات تشير إلى أن الأمر يمثل حالة طوارئ في مجال الصحة العامة.

وكما يوضح رسم بياني منتشر، فإن عدد الوفيات المرتبطة بالحر في الاتحاد الأوروبي يقارب عدد الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية في الولايات المتحدة. أما في المملكة المتحدة، فنرى مزيجاً مألوفاً من الإفراط في التنظيم والتظاهر بالمسؤولية الأخلاقية. وقد أمضى الكثيرون الأيام الماضية في محاولة تركيب مكيفات هواء متنقلة وتعديل عوازل النوافذ، لأن القوانين تمنع عملياً تركيب مكيفات النوافذ أو المكيفات المنفصلة العادية.

وينطبق ذلك حتى على المنازل الجديدة، حيث ينص أحد بنود لوائح البناء في إنجلترا، المعمول به منذ عام 2022، على إلزام من يقومون بتركيب أنظمة التبريد الميكانيكية في المباني الجديدة بإثبات تجربة جميع وسائل التبريد السلبية المتاحة أمام المسؤولين. يجب إثبات عدم جدوى هذه الوسائل للتكيف مع حرارة الصيف، لهذا يكره البريطانيون اللجوء إلى الجهات التنظيمية. ويزداد الوضع سوءاً في المساكن القديمة، المصممة لعزلها حرارياً مع مراعاة فصل الشتاء.

فبمجرد دخول الحرارة خلال موجة الحر في الصيف، يصعب خروجها دون مساعدة ميكانيكية. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن أكثر من نصف المنازل البريطانية معرضة لخطر ارتفاع درجة الحرارة داخلها. وإذا أراد الشخص تركيب مكيف هواء في منزله، عليه أولاً الالتزام بالقيود المفروضة على مستوى الضوضاء، مما يجعله تحت رحمة جيرانه الذين قد يستدعون مسؤولي الصحة البيئية لقياس الصوت والتحقق من مستوى الضوضاء. ثم يجب ألا يتجاوز ضاغط الهواء الخارجي لديه الحد المُحدد بصورة اعتباطية.

وفي كل مرة ترغب فيها بتبريد غرفة أخرى، عليك اعادة استيفاء كل هذه الشروط التنظيمية مجدداً. ورغم أن القيود لا ترقى إلى حظر كامل، فإنها تجعل تركيب أجهزة التكييف بالغ الصعوبة. فالتكييف مسموح به نظرياً، لكنه يكاد يكون مستحيلاً عملياً بسبب القيود التنظيمية. صحيح أن أجهزة التكييف تستهلك الكهرباء وتزيد البصمة الكربونية لاعتماد جزء من الشبكة البريطانية على الوقود الأحفوري، لكنها تتعرض لانتقادات تفوق غيرها من وسائل الاستهلاك الملوثة، رغم قدرتها على إنقاذ الأرواح.

وبتقدير تقريبي، يعادل تشغيل جهاز تكييف متنقل لمدة ثماني ساعات في انبعاثاته قيادة سيارة إلى العمل لبضعة أميال أو تناول وجبة من لحم البقر المشوي، ومع ذلك لا يُنتقد أي منهما بالقدر نفسه. ولتبريد المنازل، تُطرح حلول تعتمد على أساليب التبريد الطبيعية والاستفادة من خبرات البلدان التي تعايشت مع الحر لقرون.

لكن من نشأ في أحد تلك البلدان، يؤكد أن سكانها يفضلون أجهزة التكييف، لا المظلات أو الجدران الطينية أو وسائل التهوية التقليدية. إلا أن بريطانيا تتعامل مع أزمات، مثل الاحتباس الحراري وكأن الحل سيزيد الأمر سوءاً أو لن يكون مجدياً، حيث إن تحديث شبكة الكهرباء وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة، خاصة الشمسية، يقللان من المخاوف المرتبطة باستخدام أجهزة التكييف.وإذا أرادت بريطانيا أن تقضي صيفها في أجواء شبه استوائية، فعليها أن تتبنى الحلول التي أثبتت نجاحها في تلك المناطق، وفي مقدمتها تكييف الهواء. *باحث بارز في مؤسسة «أوبزرفر» للأبحاث في نيودلهي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»